
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
101و في الإحتجاج: فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي - عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) في معنى الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين (علیه السلام): تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية بن ربعي فقال له قل يا عباية، قال: و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك فإن ملككها كان ذلك من عطائه و إن سلبكها كان ذلك من بلائه و هو المالك لما ملكك و القادر على ما عليه أقدرك (الحديث).
أقول: و معنى الرواية واضح مما بيناه آنفا.
و في شرح العقائد، للمفيد قال: و قد روي عن أبي الحسن الثالث (علیه السلام) أنه سئل عن أفعال العباد أ هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال (علیه السلام): لو كان خالقا لها لما تبرأ منها و قد قال سبحانه: {أَنَّ اَللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ} و لم يرد البراءة من خلق ذواتهم و إنما تبرأ من شركهم و قبائحهم.
أقول للأفعال جهتان: جهة ثبوت و وجود، و جهة الانتساب إلى الفاعل، و هذه الجهة الثانية هي التي تتصف بها الأفعال بأنها طاعة أو معصية أو حسنة أو سيئة، فإن النكاح و الزنا لا فرق بينهما من جهة الثبوت و التحقق، و إنما الفرق الفارق هو أن النكاح موافق لأمر الله تعالى، و الزنا فاقد للموافقة المذكورة، و كذا قتل النفس بالنفس و قتل النفس بغير نفس، و ضرب اليتيم تأديبا و ضربه ظلما، فالمعاصي فاقدة لجهة من جهات الصلاح أو لموافقة الأمر أو الغاية الاجتماعية بخلاف غيرها، و قد قال تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الزمر - ٦٢، و الفعل شيء بثبوته و وجوده، و قد قال (علیه السلام): كل ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله الحديث ثم قال تعالى: {اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} السجدة ٧، فتبين أن كل شيء كما أنه مخلوق فهو في أنه مخلوق، حسن فالخلقة و الحسن متلازمان متصاحبان لا ينفك أحدهما عن الآخر أصلا، ثم إنه تعالى سمى بعض الأفعال سيئة فقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزى إِلاَّ مِثْلَهَا} الأنعام - ١٦٠، و هي المعاصي التي يفعلها الإنسان بدليل المجازاة، و علمنا بذلك أنها من حيث إنها معاص عدمية غير مخلوقة و إلا كانت حسنة، و قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الحديد - ٢٢، و قال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ
