
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
6لم يبطل حجة العقل في كتابه، و كيف يعقل ذلك و حجيته إنما تثبت به! و لم يجعل حجية في أقوال الصحابة و التابعين و أنظارهم على اختلافها الفاحش، و لم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات و المتنافيات من الأقوال، و لم يندب إلا إلى التدبر في آياته، فرفع به أي اختلاف يتراءى منها، و جعله هدى و نورا و تبيانا لكل شيء، فما بال النور يستنير بنور غيره! و ما شأن الهدى يهتدي بهداية سواه! و كيف يتبين ما هو تبيان كل شيء بشيء دون نفسه!
و أما المتكلمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق و تأويل ما خالف على حسب ما يجوزه قول المذهب.
و اختيار المذاهب الخاصة و اتخاذ المسالك و الآراء المخصوصة و إن كان معلولا لاختلاف الأنظار العلمية أو لشيء آخر كالتقاليد و العصبيات القومية، و ليس هاهنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا.
ففرق بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن؟ أو يقول: ما ذا يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمر نظري عند البحث، و أن يتكي على ما ليس بنظري، و الثاني يوجب وضع النظريات في المسألة و تسليمها و بناء البحث عليها، و من المعلوم أن هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه.
و أما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق و تأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم أعني: الرياضيات و الطبيعيات و الإلهيات و الحكمة العملية، و خاصة المشائين، و قد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة و آيات الخلقة و حدوث السماوات و الأرض و آيات البرزخ و آيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات و الأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية و الجزئية و ترتيب العناصر و الأحكام الفلكية و العنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصوا
