
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
20و ذلك أن الحمد توصيف، و قد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: {سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُخْلَصِينَ} الصافات - ١٦٠.
و الكلام مطلق غير مقيد، و لم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح (علیه السلام): {فَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي نَجَّانَا مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} المؤمنون - ٢٨. و قال تعالى حكاية عن إبراهيم (علیه السلام): {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ} إبراهيم - ٣٩. و قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) في بضعة مواضع من كلامه: {وَ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ} النمل - ٩٣. و قال تعالى حكاية عن داود و سليمان (علیه السلام) {وَ قَالاَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ} النمل - ١٥. و إلا ما حكاه عن أهل الجنة و هم المطهرون من غل الصدور و لغو القول و التأثيم كقوله{وَ آخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ} يونس - ١٠.
و أما غير هذه الموارد فهو تعالى و إن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: {وَ اَلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} الشورى - ٥. و قوله {وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} الرعد - ١٣ و قوله {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الإسراء - ٤٤.
إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية و جعل الحمد معه، و ذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله و كمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته و أسمائه التي منها جمال الأفعال، قال تعالى: {وَ لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} طه - ١١٠ فما وصفوه به فقد أحاطوا به و صار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه و يسبحوه عن ما حدوه و قدروه بأفهامهم، قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل - ٧٤، و أما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده و وصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أن الذي يقتضيه أدب العبودية أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه و لا يتعدى عنه، كما- في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): [لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ] (الحديث) فقوله في أول هذه السورة: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ} تأديب بأدب عبودي ما كان للعبد
