تفسير الميزان ج۱
319إليها ليكون أوقع في إيجاد التعجب و أوجب للاعتراض، و إنما قيل ما وليهم عن قبلتهم و لم يقل ما ولى النبي و المسلمين لما ذكرنا من الوجه، فلو قيل ما ولى النبي و المسلمين عن قبلة اليهود لم يكن التعجب واقعا موقعه و كان الجواب عنه ظاهرا لكل سامع بأدنى تنبه.
قوله تعالى: {قُلْ لِلّ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ}، اقتصر من بين الجهات بهاتين لكونهما هما المعنيتين لسائر الجهات الأصلية و الفرعية كالشمال و الجنوب و ما بين كل جهتين من الجهات الأربعة الأصلية، و المشرق و المغرب جهتان إضافيتان تتعينان بشروق الشمس أو النجوم و غروبهما، يعمان جميع نقاط الأرض غير نقطتين موهومتين هما نقطتا الشمال و الجنوب الحقيقيتان، و لعل هذا هو الوجه في وضع المشرق و المغرب موضع الجهات.
قوله تعالى: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، تنكير الصراط لأن الصراط يختلف باختلاف الأمم في استعداداتها للهداية إلى الكمال و السعادة.
قوله تعالى: {وَ كَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى اَلنَّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، الظاهر أن المراد كما سنحول القبلة لكم لنهديكم إلى صراط مستقيم كذلك جعلناكم أمة وسطا، و قيل إن المعنى و مثل هذا الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطا (و هو كما ترى)، و أما المراد بكونهم أمة وسطا شهداء على الناس فالوسط هو المتخلل بين الطرفين لا إلى هذا الطرف و لا إلى ذاك الطرف، و هذه الأمة بالنسبة إلى الناس و هم أهل الكتاب و المشركون على هذا الوصف فإن بعضهم و هم المشركون و الوثنيون إلى تقوية جانب الجسم محضا لا يريدون إلا الحياة الدنيا و الاستكمال بملاذها و زخارفها و زينتها، لا يرجون بعثا و لا نشورا، و لا يعبئون بشيء من الفضائل المعنوية و الروحية، و بعضهم كالنصارى إلى تقوية جانب الروح لا يدعون إلا إلى الرهبانية و رفض الكمالات الجسمية التي أظهرها الله تعالى في مظاهر هذه النشأة المادية لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان، فهؤلاء أصحاب الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها و أولئك أصحاب الجسم أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها و الجمود عليها، لكن الله سبحانه جعل هذه الأمة وسطا بأن جعل لهم دينا يهدي منتحليه إلى سواء الطريق وسط الطرفين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء بل يقوي كلا من الجانبين - جانب الجسم و جانب الروح على ما يليق به و يندب إلى جمع الفضيلتين فإن الإنسان مجموع الروح و الجسم لا روح محضا و لا جسم محضا، و محتاج

