تفسير الميزان ج۱
317(بيان) تشريع القبلة و معنى شهادة الأمة على الناس و الرسول على الأمة
الآيات مترتبة متسقة منتظمة في سياقها على ما يعطيه التدبر فيها و هي تنبئ عن جعل الكعبة قبلة للمسلمين فلا يصغي إلى قول من يقول إن فيها تقدما و تأخرا أو إن فيها ناسخا و منسوخا، و ربما رووا فيها شيئا من الروايات، و لا يعبأ بشيء منها بعد مخالفتها لظاهر الآيات.
قوله تعالى: {سَيَقُولُ اَلسُّفَهَاءُ مِنَ اَلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ اَلَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} هذا تمهيد ثانيا لما سيأمر تعالى به من اتخاذ الكعبة قبلة و تعليم للجواب عما سيعترض به السفهاء من الناس و هم اليهود تعصبا لقبلتهم التي هي بيت المقدس و مشركو العرب الراصدون لكل أمر جديد يحتمل الجدال و الخصام، و قد مهد لذلك أولا بما ذكره الله تعالى من قصص إبراهيم و أنواع كرامته على الله سبحانه و كرامة ابنه إسماعيل و دعوتهما للكعبة و مكة و للنبي و الأمة المسلمة و بنائهما البيت و الأمر بتطهيره للعبادة، و من المعلوم أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة من أعظم الحوادث الدينية و أهم التشريعات التي قوبل به الناس بعد هجرة النبي إلى المدينة و أخذ الإسلام في تحقيق أصوله و نشر معارفه و بث حقائقه، فما كانت اليهود و غيرهم تسكت و تستريح في مقابل هذا التشريع، لأنهم كانوا يرون أنه يبطل واحدا من أعظم مفاخرهم الدينية و هو القبلة و اتباع غيرهم لهم فيها و تقدمهم على من دونهم في هذا الشعار الديني، على أن ذلك تقدم باهر في دين المسلمين، لجمعه وجوههم في عباداتهم و مناسكهم الدينية إلى نقطة واحدة يخلصهم من تفرق الوجوه في الظاهر و شتات الكلمة في الباطن و استقبال الكعبة أشد تأثيرا و أقوى من أمثال الطهارة و الدعاء و غيرهما في نفوس المسلمين، عند اليهود و مشركي العرب و خاصة عند اليهود كما يشهد به قصصهم المقتصة في القرآن، فقد كانوا أمة لا يرون لغير المحسوس من عالم الطبيعة أصالة و لا لغير الحس وقعا، إذا جاءهم حكم من أحكام الله معنوي قبلوه من غير تكلم عليه و إذا جاءهم أمر من ربهم صوري متعلق بالمحسوس من الطبيعة كالقتال و الهجرة و السجدة و خضوع القول و غيرها قابلوه بالإنكار و قاوموا عليه و دونه أشد المقاومة.

