تفسير الميزان ج۱
311أنبيائكم، إبراهيم، فمن دونه، و ما كان صاحب هذه الملة و هو إبراهيم من المشركين و لو كان في ملته هذه الانشعابات، و هي الضمائم التي ضمها إليها المبتدعون، من الاختلافات لكان مشركا بذلك، فإن ما ليس من دين الله لا يدعو إلى الله سبحانه، بل إلى غيره و هو الشرك، فهذا دين التوحيد الذي لا يشتمل على ما ليس من عند الله تعالى.
قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}، لما حكى ما يأمره به اليهود و النصارى من اتباع مذهبهم، ذكر ما هو عنده من الحق (و الحق يقول) و هو الشهادة على الإيمان بالله، و الإيمان بما عند الأنبياء، من غير فرق بينهم، و هو الإسلام و خص الإيمان بالله بالذكر و قدمه و أخرجه من بين ما أنزل على الأنبياء لأن الإيمان بالله فطري، لا يحتاج إلى بينة النبوة، و دليل الرسالة.
ثم ذكر سبحانه ما أنزل إلينا و هو القرآن أو المعارف القرآنية و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى و عيسى و خصهما بالذكر لأن المخاطبة مع اليهود و النصارى و هم يدعون إليهما فقط ثم ذكر ما أوتي النبيون من ربهم، ليشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك: لا نفرق بين أحد منهم.
و اختلاف التعبير في الكلام، حيث عبر عما عندنا و عند إبراهيم و إسحاق و يعقوب بالإنزال و عما عند موسى و عيسى و النبيين بالإيتاء و هو الإعطاء، لعل الوجه فيه أن الأصل في التعبير هو الإيتاء، كما قال تعالى بعد ذكر إبراهيم، و من بعده و من قبله من الأنبياء في سورة الأنعام: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ}، الأنعام - ٨٩، لكن لفظ الإيتاء ليس بصريح في الوحي و الإنزال كما قال تعالى: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ اَلْحِكْمَةَ} لقمان - ١٢، و قال: {وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ} الجاثية - ١٦، و لما كان كل من اليهود و النصارى يعدون إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط من أهل ملتهم، فاليهود من اليهود، و النصارى من النصارى، و اعتقادهم أن الملة الحق من النصرانية، أو اليهودية، هي ما أوتيه موسى و عيسى، فلو كان قيل: و ما أوتي إبراهيم و إسماعيل

