تفسير الميزان ج۱
305العبد - ثم تأملت أنه تعالى قصر الأجر و الشكر على ما بحذاء العمل و السعي قضيت بأن الصلاح الذاتي كرامة ليست بحذاء العمل و الإرادة و ربما تبين به معنى قوله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا} - و هو ما بالعمل - و قوله: {وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ} - و هو أمر غير ما بالعمل - على ما سيجيء بيانه إن شاء الله في تفسير قوله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاؤُنَ فِيهَا} ق - ٣٥.
ثم إنك إذا تأملت حال إبراهيم و مكانته في أنه كان نبيا مرسلا و أحد أولي العزم من الأنبياء، و أنه إمام، و أنه مقتدى عدة ممن بعده من الأنبياء و المرسلين و أنه من الصالحين بنص قوله تعالى: {وَ كُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ} الأنبياء - ٧٢، الظاهر في الصلاح المعجل على أن من هو دونه في الفضل من الأنبياء أكرم بهذا الصلاح المعجل و هو (علیه السلام) مع ذلك كله يسأل اللحوق بالصالحين الظاهر في أن هناك قوما من الصالحين سبقوه و هو يسأل اللحوق بهم فيما سبقوه إليه، و أجيب بذلك في الآخرة كما يحكيه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كلامه حيث قال تعالى: {وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنَاهُ فِي اَلدُّنْيَا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصَّالِحِينَ} البقرة - ١٣٠، و قال تعالى: {وَ آتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيَا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصَّالِحِينَ} العنكبوت - ٢٧، و قال تعالى: {وَ آتَيْنَاهُ فِي اَلدُّنْيَا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصَّالِحِينَ} النحل - ١٢٢، فإذا تأملت ذلك حق التأمل قضيت بأن الصلاح ذو مراتب بعضها فوق بعض و لم تستبعد لو قرع سمعك أن إبراهيم (علیه السلام) سأل اللحوق بمحمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و آله الطاهرين (علیه السلام) فأجيب إلى ذلك في الآخرة لا في الدنيا فإنه (علیه السلام) يسأل اللحوق بالصالحين، و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) يدعيه لنفسه. قال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اَللَّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتَابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى اَلصَّالِحِينَ} الأعراف - ١٩٦ فإن ظاهر الآية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يدعي لنفسه الولاية فالظاهر منه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) هو المتحقق بالصلاح الذي يدعيه بموجب الآية لنفسه و إبراهيم كان يسأل الله اللحوق بعده من الصالحين يسبقونه في الصلاح فهو هو.
قوله تعالى: {وَ وَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}، أي وصى بالملة.
قوله تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ}، النهي عن الموت و هو أمر غير اختياري للإنسان، و التكليف إنما يتعلق بأمر اختياري إنما هو لرجوعه إلى أمر يتعلق بالاختيار، و التقدير احذروا أن يغتالكم الموت في غير حال الإسلام، أي داوموا و الزموا الإسلام لئلا يقع

