تفسير الميزان ج۱
297إبراهيم (علیه السلام) التطهير من عبادة الأصنام إلا أنه (علیه السلام) علله بالضلال فأنتج سؤال التطهير من جميع الضلال من عبادة الأصنام و من أي شرك حتى المعاصي، فإن كل معصية شرك كما مر بيانه في قوله تعالى: {صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فاتحة الكتاب - ٦.
و قوله (علیه السلام): و في هذا دلالة على أنه لا يكون الأئمة و الأمة المسلمة، إلخ أي إنهما واحد، و هما من ذرية إبراهيم كما مر بيانه.
فإن قلت: لو كان المراد بالأمة في هذه الآيات و نظائرها كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران - ١١٠، عدة معدودة من الأمة دون الباقين كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحح ذلك و لا مجوز لنسبة ذلك إلى كلامه تعالى، على أن كون خطابات القرآن متوجهة إلى جميع الأمة ممن آمن بالنبي ضروري لا يحتاج إلى إقامة حجة.
قلت: إطلاق أمة محمد و إرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة بعد نزول القرآن و انتشار الدعوة الإسلامية و إلا فالأمة بمعنى القوم كما قال تعالى: {عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} هود - ٤٨، و ربما أطلق على الواحدة كقوله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} النحل - ١٢٠، و على هذا فمعناها من حيث السعة و الضيق يتبع موردها الذي استعمل فيه لفظها، أو أريد فيه معناها.
فقوله تعالى: {رَبَّنَا وَ اِجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} (الآية) و المقام مقام الدعاء بالبيان الذي تقدم - لا يراد به إلا عدة معدودة ممن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و كذا قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} و هو في مقام الامتنان و تعظيم القدر و ترفيع الشأن لا يشمل جميع الأمة، و كيف يشمل فراعنة هذه الأمة و دجاجلتها الذين لم يجدوا للدين أثرا إلا عفوه و محوه، و لا لأوليائه عظما إلا كسروه و سيجيء تمام البيان في الآية إن شاء الله فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل: {وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعَالَمِينَ} البقرة - ٤٧، فإن منهم قارون و لا يشمله الآية قطعا، كما أن قوله تعالى: {وَ قَالَ اَلرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هَذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} الفرقان - ٣٠، لا يعم جميع هذه الأمة و فيهم أولياء القرآن و رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله تعالى.

