تفسير الميزان ج۱
295إلى حقائق و معان وراء ذلك.
و أما قوله: إن شرف الأنبياء و المعاهد و الأمور المنسوبة إليهم كالبيت و الحجر الأسود ليس شرفا ظاهريا بل شرف معنوي ناش عن التفضيل الإلهي فكلام حق، لكن يجب أن يفهم منه حق المعنى الذي يشتمل عليه، فما هذا الأمر المعنوي الذي يتضمن الشرافة؟ فإن كان من المعاني التي يعطيها الاحتياجات الاجتماعية لموضوعاتها و موادها نظير الرتب و المقامات التي يتداولها الدول و الملل كالرئاسة و القيادة في الإنسان و غلاء القيمة في الذهب و الفضة و كرامة الوالدين و حرمة القوانين و النواميس فإنما هي معان يعتبرها الاجتماعات لضرورة الاحتياج الدنيوي، لا أثر منها في خارج الوهم و الاعتبار الاجتماعي، و من المعلوم أن الاجتماع الكذائي لا يتعدى عالم الاجتماع الذي صنعته الحاجة الحيوية، و الله عز سلطانه أقدس ساحة من أن يتطرق إليه هذه الحاجة الطارقة على حياة الإنسان، و مع ذلك فإذا جاز أن يتشرف النبي بهذا الشرف غير الحقيقي فليجز أن يتشرف بمثله بيت أو حجر، و إن كان هذا الشرف حقيقيا واقعيا من قبيل النسبة بين النور و الظلمة، و العلم و الجهل، و العقل و السفه بأن كان حقيقة وجود النبي غير حقيقة وجود غيره و إن كانت حواسنا الظاهرية لا تنال ذلك و هو اللائق بساحة قدسه من الفعل و الحكم، كما قال الله تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الدخان - ٣٩ و سيجيء بيانه كان ذلك عائدا إلى نسبة حقيقية معنوية غير مادية إلى ما وراء الطبيعة، فإذا جاز تحققها في الأنبياء بنحو فليجز تحققها في غير الأنبياء كالبيت و الحجر و نحوهما و إن وقع التعبير عن هذه النسب الحقيقية المعنوية بما ظاهره المعاني المعروفة عند العامة التي اصطلحت عليه أهل الاجتماع.
و ليت شعري: ما ذا يصنعه هؤلاء في الآيات التي تنطق بتزيين الجنة و تشريف أهلها بالذهب و الفضة، و هما فلزان ليس لهما من الشرف إلا غلاء القيمة المستندة إلى عزة الوجود؟ فما ذا يراد من تشريف أهل الجنة بهما؟ و ما الذي يؤثره معنى الثروة في الجنة و لا معنى للاعتبار المالي في الخارج من ظرف الاجتماع؟ فهل لهذه البيانات الإلهية و الظواهر الدينية وجه غير أنها حجب من الكلام و أستار وراءها أسرار؟ فلئن جاز أمثال هذه البيانات في أمور نشأة الآخرة فليجز نظيرتها في بعض الأمور نشأة الدنيا.

