تفسير الميزان ج۱
294لعصبية مذهبية توجب نفي معنويات الحقائق عن الأنبياء، و اتكاء الظواهر الدينية على أصول و أعراق معنوية، أو لتبعية غير إرادية للعلوم الطبيعية المتقدمة اليوم، حيث تحكم: أن كل حادثة من الحوادث الطبيعية، أو ما يرتبط بها أي ارتباط من المعنويات يجب أن يعلل بتعليل مادي أو ما ينتهي إلى المادة، الحاكمة في جميع شئون الحوادث كالتعليمات الاجتماعية.
و قد كان من الواجب: أن يتدبر في أن العلوم الطبيعية شأنها البحث عن خواص المادة و تراكيبها و ارتباط الآثار الطبيعية بموضوعاتها، ذاك الارتباط الطبيعي و كذا العلوم الاجتماعية إنما تبحث عن الروابط الاجتماعية بين الحوادث الاجتماعية فقط.
و أما الحقائق الخارجة عن حومة المادة و ميدان عملها، المحيطة بالطبيعة و خواصها و ارتباطاتها المعنوية غير المادية مع الحوادث الكونية و ما اشتمل عليه عالمنا المحسوس فهي أمور خارجة عن بحث العلوم الطبيعية و الاجتماعية، و لا يسعها أن تتكلم فيها، أو تتعرض لإثباتها، أو تقضي بنفيها فالعلوم الطبيعية إنما يمكنها أن تقضي أن البيت يحتاج في الطبيعة إلى أجزاء من الطين و الحجر، و إلى بان يبنيه و يعطيه بحركاته و أعماله هيئة البيت أو كيف تتكون الحجرة من الأحجار السود و كذا الأبحاث الاجتماعية تعين الحوادث الاجتماعية التي أنتجت بناء إبراهيم للبيت، و هي جمل من تاريخ حياته، و حياة هاجر، و إسماعيل، و تاريخ، تهامة و نزول جرهم، إلى غير ذلك، و أما أنه ما نسبة هذا الحجر مثلا إلى الجنة أو النار الموعودتين فليس من وظيفة هذه العلوم أن تبحث عنه، أو تنفي ما قيل، أو يقال فيه، و قد عرفت: أن القرآن الشريف هو الناطق بكون هذه الموجودات الطبيعية المادية نازلة إلى مقرها و مستقرها من عند الله سبحانه ثم راجعة إليه متوجهة نحوه أيما إلى جنة أيما إلى نار، و هو الناطق بكون الأعمال صاعدة إلى الله، مرفوعة نحوه، نائلة إياه، مع أنها حركات و أوضاع طبيعية، تألفت تألفا اعتباريا اجتماعيا من غير حقيقة تكوينية، قال تعالى: {وَ لَكِنْ يَنَالُهُ اَلتَّقْوى مِنْكُمْ} الحج - ٣٧، و التقوى فعل، أو صفة حاصلة من فعل، و قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّالِحُ يَرْفَعُهُ} الفاطر - ١٠، فمن الواجب على الباحث الديني أن يتدبر في هذه الآيات فيعقل أن المعارف الدينية لا مساس لها مع الطبيعيات و الاجتماعيات من جهة النظر الطبيعي و الاجتماعي على الاستقامة و إنما اتكاؤها و ركونها

