تفسير الميزان ج۱
292و هو أن هذه الأخبار الحاكية عن كون هذه الأشياء الطبيعية، من الجنة، أو من النار، إذا كانت ملازمة لوجه السعادة أو الشقاوة لا تخلو عن وجه صحة، لمطابقتها لأصول قرآنية ثابتة في الجملة، و إن لم يستلزم ذلك كون كل واحد واحد صحيحا، يصح الركون إليه، فافهم المراد.
و ربما قال القائل: إن قوله تعالى: {وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ اَلْقَوَاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمَاعِيلُ} (الآية) ظاهر في أنهما، هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية، و لكن القصاصين و من تبعهم من المفسرين، جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا، و تفننوا في رواياتهم، عن قدم البيت، و عن حج آدم، و عن ارتفاعه إلى السماء وقت الطوفان، و عن كون الحجر الأسود من أحجار الجنة، و قد أراد هؤلاء القصاصون أن يزينوا الدين و يرقشوه برواياتهم هذه، و هذه التزيينات بزخارف القول، و إن أثرت أثرها في قلوب العامة، لكن أرباب اللب و النظر من أهل العلم يعلمون أن الشرف المعنوي الذي أفاضه الله سبحانه، بتكريم بعض الأشياء على بعض، فشرف البيت إنما هو بكونه بيتا لله، منسوبا إليه، و شرف الحجر الأسود بكونه موردا للاستلام بمنزلة يد الله سبحانه؛ و أما كون الحجر في أصله ياقوتة، أو درة، أو غير ذلك، فلا يوجب مزية فيه، و شرفا حقيقيا له، و ما الفرق بين حجر أسود، و حجر أبيض، عند الله تعالى في سوق الحقائق، فشرف هذا البيت بتسمية الله تعالى إياه بيته، و جعله موضعا لضروب من عبادته، لا تكون في غيره - كما تقدم - لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، و لا بكون موقعه تفضل سائر المواقع، و لا بكونه من السماء، و عالم الضياء و كذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم، و لا في ملابسهم، و إنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، و تخصيصهم بالنبوة، التي هي أمر معنوي، و قد كان أهل الدنيا أحسن زينة، و أكثر نعمة منهم.
قال: و هذه الروايات فاسدة، في تناقضها و تعارضها في نفسها، و فاسدة في عدم صحة أسانيدها، و فاسدة في مخالفتها لظاهر الكتاب.
قال: و هذه الروايات خرافات إسرائيلية، بثها زنادقة اليهود في المسلمين

