تفسير الميزان ج۱
282بيان أن المستجاب من دعوته ما يجري على حكم العادة و قانون الطبيعة من غير خرق للعادة، و إبطال لظاهر حكم الطبيعة، و لم يقل: و ارزق من آمن من أهله من الثمرات لأن المطلوب استيهاب الكرامة للبلد لكرامة البيت المحرم، و لا ثمرة تحصل في واد غير ذي زرع، وقع فيه البيت، و لو لا ذلك لم يعمر البلد، و لا وجد أهلا يسكنونه.
قوله تعالى: {وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}، قرئ فأمتعه من باب الإفعال و التفعيل و الإمتاع و التمتيع بمعنى واحد.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ اَلنَّارِ} إلخ، فيه إشارة إلى مزيد إكرام البيت و تطييب لنفس إبراهيم (علیه السلام)، كأنه قيل: ما سألته من إكرام البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد استجبته و زيادة، و لا يغتر الكافر بذلك أن له كرامة على الله، و إنما ذلك إكرام لهذا البلد، و إجابة لدعوتك بأزيد مما سألته، فسوف يضطر إلى عذاب النار، و بئس المصير.
قوله تعالى: {وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ اَلْقَوَاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ}، القواعد جمع قاعدة و هي ما قعد من البناء على الأرض، و استقر عليه الباقي، و رفع القواعد من المجاز بعد ما يوضع عليها منها، و نسبة الرفع المتعلق بالمجموع إلى القواعد وحدها.
و في قوله تعالى: {مِنَ اَلْبَيْتِ} تلميح إلى هذه العناية المجازية.
قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ}، دعاء لإبراهيم و إسمعيل، و ليس على تقدير القول، أو ما يشبهه، و المعنى يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} إلخ، بل هو في الحقيقة حكاية المقول نفسه، فإن قوله: {يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ اَلْقَوَاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمَاعِيلُ}، حكاية الحال الماضية، فهما يمثلان بذلك تمثيلا كأنهما يشاهدان و هما مشتغلان بالرفع، و السامع يراهما على حالهما ذلك ثم يسمع دعاءهما بألفاظهما من غير وساطة المتكلم المشير إلى موقفهما و عملهما، و هذا كثير في القرآن، و هو من أجمل السياقات القرآنية - و كلها جميل - و فيه من تمثيل القصة و تقريبه إلى الحس ما لا يوجد و لا شيء من نوع بداعته في التقبل بمثل القول و نحوه.
و في عدم ذكر متعلق التقبل - و هو بناء البيت - تواضع في مقام العبودية،

