تفسير الميزان ج۱
276عليه قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الزخرف - ٢٨، فأعلم قومه ببراءته في الحال و أخبرهم بهدايته في المستقبل، و هي الهداية بأمر الله حقا، لا الهداية التي يعطيها النظر و الاعتبار، فإنها كانت حاصلة مدلولا عليها بقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَلَّذِي فَطَرَنِي}، ثم أخبر الله: أنه جعل هذه الهداية كلمة باقية في عقب إبراهيم، و هذا أحد الموارد التي أطلق القرآن الكلمة فيها على الأمر الخارجي دون القول، كقوله تعالى: {وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى وَ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا} الفتح - ٢٦.
و قد تبين بما ذكر: أن الإمامة في ولد إبراهيم بعده، و في قوله تعالى: {قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي. قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ}إشارة إلى ذلك، فإن إبراهيم (علیه السلام) إنما كان سأل الإمامة لبعض ذريته لا لجميعهم، فأجيب: بنفيها عن الظالمين من ولده، و ليس جميع ولده ظالمين بالضرورة حتى يكون نفيها عن الظالمين نفيا لها عن الجميع، ففيه إجابة لما سأله مع بيان أنها عهد، و عهده تعالى لا ينال الظالمين.
قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ}، في التعبير إشارة إلى غاية بعد الظالمين عن ساحة العهد الإلهي، فهي من الاستعارة بالكناية
(بحث روائي)
في الكافي، عن الصادق (علیه السلام): أن الله عز و جل اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا، و أن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، و أن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، و أن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما، فلما جمع له الأشياء قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} قال (علیه السلام): فمن عظمها في عين إبراهيم قال: {وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ} قال: لا يكون السفيه إمام التقي.
أقول: و روي هذا المعنى أيضا عنه بطريق آخر و عن الباقر (علیه السلام) بطريق آخر، و رواه المفيد عن الصادق (علیه السلام).

