تفسير الميزان ج۱
271بمعنى الحال أو الاستقبال فقوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}، وعد له (علیه السلام) بالإمامة في ما سيأتي، مع أنه وحي لا يكون إلا مع نبوة، فقد كان ((علیه السلام)) نبيا قبل تقلده الإمامة، فليست الإمامة في (الآية) بمعنى النبوة (ذكره بعض المفسرين.) و أما ثانيا: فلأنا بينا في صدر الكلام: أن قصة الإمامة، إنما كانت في أواخر عهد إبراهيم (علیه السلام) بعد مجيء البشارة له بإسحق و إسماعيل، و إنما جاءت الملائكة بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط و إهلاكهم، و قد كان إبراهيم حينئذ نبيا مرسلا، فقد كان نبيا قبل أن يكون إماما فإمامته غير نبوته.
و منشأ هذا التفسير و ما يشابهه الابتذال الطارئ على معاني الألفاظ الواقعة في القرآن الشريف في أنظار الناس من تكرر الاستعمال بمرور الزمن و من جملة تلك الألفاظ لفظ الإمامة، ففسره قوم: بالنبوة و التقدم و المطاعية مطلقا، و فسره آخرون بمعنى الخلافة أو الوصاية، أو الرئاسة في أمور الدين و الدنيا - و كل ذلك لم يكن - فإن النبوة معناها: تحمل النبإ من جانب الله و الرسالة معناها تحمل التبليغ، و المطاعية و الإطاعة قبول الإنسان ما يراه أو يأمره غيره و هو من لوازم النبوة و الرسالة، و الخلافة نحو من النيابة، و كذلك و الوصاية، و الرئاسة نحو من المطاعية و هو مصدرية الحكم في الاجتماع و كل هذه المعاني غير معنى الإمامة التي هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره بأن يطبق أفعاله و أقواله على أفعاله و أقواله بنحو التبعية، و لا معنى لأن يقال لنبي من الأنبياء مفترض الطاعة إني جاعلك للناس نبيا، أو مطاعا فيما تبلغه بنبوتك، أو رئيسا تأمر و تنهى في الدين، أو وصيا، أو خليفة في الأرض تقضي بين الناس في مرافعاتهم بحكم الله.
و ليست الإمامة تخالف الكلمات السابقة و تختص بموردها بمجرد العناية اللفظية فقط، إذ لا يصح أن يقال لنبي - من لوازم نبوته كونه مطاعا بعد نبوته - إني جاعلك مطاعا للناس بعد ما جعلتك كذلك، و لا يصح أن يقال له ما يئول إليه معناه و إن اختلف بمجرد عناية لفظية، فإن المحذور هو المحذور، و هذه المواهب الإلهية ليست مقصورة على مجرد المفاهيم اللفظية، بل دونها حقائق من المعارف

