تفسير الميزان ج۱
265(بيان)
قوله تعالى: {وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصَارى}، رجوع إلى الطائفتين بعد الالتفات إلى غيرهم، و هو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها و تشتتها، فكأنه بعد هذه الخطابات و التوبيخات لهم يرجع إلى رسوله و يقول له: هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم و نظموها بآرائهم، ثم أمره بالرد عليهم بقوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ اَلْهُدى}، أي إن الاتباع إنما هو لغرض الهدى و لا هدى إلا هدى الله و الحق الذي يجب أن يتبع و غيره و هو ملتكم ليس بالهدى، فهي أهواؤكم ألبستموها لباس الدين و سميتموها باسم الملة، ففي قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ} إلخ، جعل الهدى كناية عن القرآن النازل، ثم أضيف إلى الله فأفاد صحة الحصر في قوله: {إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ اَلْهُدى}، على طريق قصر القلب، و أفاد ذلك خلو ملتهم عن الهدى، و أفاد ذلك كونها أهواء لهم، و استلزم ذلك كون ما عند النبي علما، و كون ما عندهم جهلا، و اتسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: {وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاَ نَصِيرٍ}، فانظر إلى ما في هذا الكلام من أصول البرهان العريقة، و وجوه البلاغة على إيجازه، و سلاسة البيان و صفائه.
قوله تعالى: {اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ}، يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر المفهوم من قوله: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، جوابا للسؤال المقدر الذي يسوق الذهن إليه قوله تعالى: {وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصَارى} إلخ و هو أنهم إذا لم يكن مطمع في إيمانهم، فمن ذا الذي يؤمن منهم؟ و هل توجيه الدعوة إليهم باطل لغو؟ فأجيب بأن الذين آتيناهم الكتاب و الحال أنهم يتلونه حق تلاوته، أولئك يؤمنون بكتابهم فيؤمنون بك، أو أن أولئك يؤمنون بالكتاب، كتاب الله المنزل أيا ما كان، أو أن أولئك يؤمنون بالكتاب الذي هو القرآن. و على هذا: فالقصر في قوله: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، قصر إفراد و الضمير في قوله: {بِهِ}، على بعض التقادير لا يخلو عن استخدام. و المراد بالذين أوتوا الكتاب قوم من اليهود و النصارى ليسوا متبعين للهوى من أهل

