تفسير الميزان ج۱
255و بعبارة واضحة: الآية الأولى تثبت للخلقة غاية و هي العبادة، و الله سبحانه غير مغلوب في الغاية التي يريدها في فعل من أفعاله غير أنه سبحانه خلقهم على إمكان الاختلاف فلا يزالون مختلفين في الاهتداء و الضلال فلا يزالون مختلفين إلا من أخذته العناية الإلهية، و شملته رحمة الهداية، و لذلك خلقهم أي و لهذه الرحمة خلقهم، فالآية الثانية تثبت للخلقة غاية، و هو الرحمة المقارنة للعبادة و الاهتداء و لا يكون إلا في البعض دون الكل و الآية الأولى كانت تثبت العبادة غاية للجميع فهذه العبادة جعلت غاية الجميع من جهة كون البعض مخلوقا لأجل البعض الآخر و هذا البعض أيضا لآخر حتى ينتهي إلى أهل العبادة و هم العابدون المخلوقون للعبادة فصح أن العبادة غاية للكل نظير بناء الحديقة و غرس الشجرة لثمرتها أو لمنافعها المالية فالآية الثانية تنسخ إطلاق الآية الأولى، و في تفسير النعماني، أيضا عنه (علیه السلام): قال: و نسخ قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا} قوله: {اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَ هُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ}.
أقول: و ليست الآيتان من قبيل العام و الخاص لقوله تعالى: {كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا}، و القضاء الحتم غير قابل الرفع و لا ممكن الإبطال و يظهر معنى هذا النسخ مما سيجيء إن شاء الله في قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} الأنبياء - ١٠١.
و في تفسير العياشي، عن الباقر (علیه السلام): أن من النسخ البداء المشتمل عليه قوله تعالى: {يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتَابِ}، و نجاة قوم يونس.
أقول: و الوجه فيه واضح.
و في بعض الأخبار عن أئمة أهل البيت عد (علیه السلام) موت إمام و قيام إمام آخر مقامه من النسخ.
أقول: و قد مر بيانه، و الأخبار في هذه المعاني كثيرة مستفيضة.
و في الدر المنثور، أخرج عبد بن حميد و أبو داود في ناسخه و ابن جرير عن

