تفسير الميزان ج۱
254{فَلاَ تَنْسى}، و أما اشتماله على الاستثناء بقوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ}، فهو على حد الاستثناء الواقع في قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، هود - ١٠٩، جيء بها لإثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الأمر، و لو كان الاستثناء مسوقا لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله: {فَلاَ تَنْسى}، معنى، إذ كل ذي ذكر و حفظ من الإنسان و سائر الحيوان كذلك يذكر و ينسى و ذكره و نسيانه كلاهما منه تعالى و بمشيته، و قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كذلك قبل هذا الإقراء الامتناني الموعود بقوله: {سَنُقْرِئُكَ}، يذكر بمشية الله و ينسى بمشية الله تعالى فليس معنى الاستثناء إلا إثبات إطلاق القدرة أي سنقرئك فلا تنسى أبدا و الله مع ذلك قادر على إنسائك هذا. و قرئ قوله: ننساها بفتح النون و الهمزة من نسيء نسيئا إذا أخر تأخيرا فيكون المعنى على هذا: ما ننسخ من آية بإزالتها أو نؤخرها بتأخير إظهارها نأت بخير منها أو مثلها و لا يوجب التصرف الإلهي بالتقديم و التأخير في آياته فوت كمال أو مصلحة، و الدليل على أن المراد بيان أن التصرف الإلهي يكون دائما على الكمال و المصلحة هو قوله: {بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، فإن الخيرية إنما يكون في كمال شيء موجود أو مصلحة حكم مجعول ففي ذلك يكون موجود مماثلا لآخر في الخيرية أو أزيد منه في ذلك فافهم.
(بحث روائي)
قد تكاثرت روايات الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و الصحابة و عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام): أن في القرآن ناسخا و منسوخا.
و في تفسير النعماني، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): بعد ذكر عدة آيات من الناسخ و المنسوخ: قال (علیه السلام) و نسخ قوله تعالى: {وَ مَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} قوله عز و جل: {وَ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي للرحمة خلقهم.
أقول: و فيها دلالة على أخذه (علیه السلام) النسخ في الآية أعم من النسخ الواقع في التشريع فالآية الثانية تثبت حقيقة توجب تحديد الحقيقة التي تثبتها الآية الأولى،

