تفسير الميزان ج۱
248ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} النساء - ١٣٧، و قوله تعالى: حكاية عن نوح: {وَ مَا أَنَا بِطَارِدِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ} هود - ٢٩.
قوله تعالى: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَ قُولُوا اُنْظُرْنَا}، أي بدلوا قول (راعنا) من قول (انظرنا) و لئن لم تفعلوا ذلك كان ذلك منكم كفرا و للكافرين عذاب أليم ففيه نهي شديد عن قول راعنا و هذه كلمة ذكرتها آية أخرى و بينت معناها في الجملة و هي قوله تعالى {مِنَ اَلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ} النساء - ٤٦، و منه يعلم أن اليهود كانت تريد بقولهم للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) راعنا نحوا من معنى قوله: اسمع غير مسمع و لذلك ورد النهي عن خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك و حينئذ ينطبق على ما نقل: أن المسلمين كانوا يخاطبون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك إذا ألقى إليهم كلاما يقولون راعنا يا رسول الله - يريدون أمهلنا و انظرنا حتى نفهم ما تقول - و كانت اللفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك يظهرون التأدب معه و هم يريدون الشتم و معناه عندهم اسمع لا أسمعت فنزل. {مِنَ اَلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رَاعِنَا}، (الآية) و نهى الله المؤمنين عن الكلمة و أمرهم أن يقولوا ما في معناه و هو انظرنا فقال: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَ قُولُوا اُنْظُرْنَا}.
قوله تعالى: {وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، يريد المتمردين من هذا النهي و هذا أحد الموارد التي أطلق فيها الكفر على ترك التكاليف الفرعية.
قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ}، لو كان المراد بأهل الكتاب اليهود خاصة كما هو الظاهر لكون الخطابات السابقة مسوقة لهم فتوصيفهم بأهل الكتاب يفيد الإشارة إلى العلة، و هو أنهم لكونهم أهل كتاب ما يودون نزول الكتاب على المؤمنين لاستلزامه بطلان اختصاصهم بأهلية الكتاب مع أن ذلك ضنة منهم بما لا يملكونه، و معارضة مع الله سبحانه في سعة رحمته و عظم فضله، و لو كان المراد عموم أهل الكتاب من اليهود و النصارى فهو تعميم بعد التخصيص لاشتراك الفريقين في بعض الخصائل، و هم على غيظ من الإسلام، و ربما يؤيد هذا الوجه بعض

