تفسير الميزان ج۱
246مما يختص التشرف به بهذه الأمة، غير أن التدبر في كلامه تعالى يعطي أن التعبير بلفظة الذين آمنوا يراد به في كلامه تعالى غير ما يراد بلفظة المؤمنين كقوله تعالى: {وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ} النور - ٣١، بحسب المصداق، قال تعالى: {اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذَابَ اَلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَ أَزْوَاجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ} المؤمن - ٧ و ٨، فجعل استغفار الملائكة و حملة العرش أولا للذين آمنوا ثم بدله ثانيا من قوله: {لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اِتَّبَعُوا}، و التوبة هي الرجوع، ثم علق دعاءهم بالذين آمنوا و عطف عليهم آباءهم و ذرياتهم و لو كان هؤلاء المحكي عنهم بالذين آمنوا هم أهل الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، كيف ما كانوا، كان الذين آمنوا شاملا للجميع من الآباء و الأبناء و الأزواج و لم يبق للعطف و التفرقة محل و كان الجميع في عرض واحد و وقعوا في صف واحد. و يستفاد هذا المعنى أيضا من قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ اِمْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} الطور - ٢١، فلو كان ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان مصداقا للذين آمنوا في كلامه تعالى لم يبق للإلحاق وجه، و لو كان قوله: {وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ}قرينة على إرادة أشخاص خاصة من الذين آمنوا و هم كل جمع من المؤمنين بالنسبة إلى ذريتهم، المؤمنين لم يبق للإلحاق أيضا وجه، و لا لقوله: {وَ مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}، وجه صحيح إلا في الطبقة الأخيرة التي لا ذرية بعدهم يتبعونهم بإيمان فهم يلحقون بآبائهم، و هذا و إن كان معنى معقولا إلا أن سياق الآية و هو سياق التشريف يأبى ذلك لعود المعنى على ذلك التقدير إلى مثل معنى قولنا: المؤمنون بعضهم من بعض أو بعضهم يلحق ببعض و هم جميعا في صف واحد من غير شرافة للبعض على البعض و لا للمتقدم على المتأخر فإن الملاك هو الإيمان و هو في الجميع واحد و هذا مخالف لسياق الآية الدال على نوع كرامة و تشريف للسابق بإلحاق ذريته به، فقوله: {وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ}، قرينة على إرادة أشخاص خاصة بقوله: {اَلَّذِينَ آمَنُوا}، و هم السابقون الأولون في الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) من المهاجرين و الأنصار في يوم العسرة فكلمة الذين آمنوا كلمة تشريف يراد بها هؤلاء، و يشعر بذلك أيضا قوله تعالى:

