تفسير الميزان ج۱
240فأطلق القول و لم يقيد، فما من خلط أو دس إلا و يدفعه القرآن و يظهر خسار صاحبه بالكشف عن حاله و إقراء صفحة تاريخه،- و قال رسول الله فيما رواه الفريقان: ما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالفه فاتركوه. فأعطى ميزانا كليا يوزن به المعارف المنقولة منه و من أوليائه، و بالجملة فبالقرآن يدفع الباطل عن ساحة الحق ثم لا يلبث أن يظهر بطلانه و يمات عن القلوب الحية كما أميت عن الأعيان. قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} الأنبياء - ١٨، و قال تعالى: {وَ يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} الأنفال - ٧، و قال تعالى: {لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ وَ يُبْطِلَ اَلْبَاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ}الأنفال - ٨، و لا معنى لإحقاق الحق و لا لإبطال الباطل إلا إظهار صفتهما.
و بعض الناس و خاصة من أهل عصرنا من المتوغلين في الأبحاث المادية و المرعوبين من المدنية الغربية الحديثة استفادوا من هذه الحقيقة المذكورة سوء و أخذوا بطرح جميع ما تضمنته سنة رسول الله و اشتملت عليه جوامع الروايات فسلكوا في ذلك مسلك التفريط، قبال ما سلكه بعض الأخباريين و أصحاب الحديث و الحرورية و غيرهم مسلك الإفراط و الأخذ بكل رواية منقولة كيف كانت. و كما أن القبول المطلق تكذيب للموازين المنصوبة في الدين لتميز الحق من الباطل و نسبة الباطل و اللغو من القول إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كذلك الطرح الكلي تكذيب لها و إلغاء و إبطال للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و هو القائل جل ثناؤه: {مَا آتَاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر - ٧ و قوله تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اَللَّهِ} النساء - ٦٤، إذ لو لم يكن لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) حجية أو لما ينقل من قوله (صلى الله عليه وآله و سلم) إلينا معاشر الغائبين في عصره أو الموجودين بعد ارتحاله من الدنيا حجية لما استقر من الدين حجر على حجر، و الركون على النقل و الحديث مما يعتوره البشر و يقبله في حياته الاجتماعية قبولا يضطر إليه بالبداهة و يهديه إلى ذلك الفطرة الإنسانية لا غنى له عن ذلك، و أما وقوع الدس و الخلط في المعارف المنقولة الدينية فليس ببدع يختص بالدين كيف و رحى الاجتماع بجميع جهاتها و أركانها تدور على الأخبار الدائرة اليومية العامة و الخاصة، و وجوده الكذب و الدس و الخلط فيها أزيد و أيدي السياسات الكلية و الجزئية بها ألعب؟ و نحن على فطرتنا

