تفسير الميزان ج۱
236الملكين ببابل هاروت و ماروت، و الحال أنهما ما يعلمان السحر من أحد حتى يحذراه العمل به و يقولا إنما نحن فتنة لكم و امتحان تمتحنون بنا بما نعلمكم فلا تكفر باستعماله.
قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}، أي من الملكين و هما هاروت و ماروت {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ}،أي سحرا يفرقون بعمله و تأثيره بين المرء و زوجه.
قوله تعالى: {وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ}، دفع لما يسبق إلى الوهم أنهم بذلك يفسدون أمر الصنع و التكوين و يسبقون تقدير الله و يبطلون أمره فدفعه بأن السحر نفسه من القدر لا يؤثر إلا بإذن الله فما هم بمعجزين، و إنما قدم هذه الجملة على قوله: {وَ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ}، لأن هذه الجملة أعني: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ}، وحدها مشتملة على ذكر التأثير، فأردفت بأن هذا التأثير بإذن الله.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، علموا ذلك بعقولهم لأن العقل لا يرتاب في أن السحر أشأم منابع الفساد في الاجتماع الإنساني و علموا ذلك أيضا من قول موسى فإنه القائل: {وَ لاَ يُفْلِحُ اَلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتى}، طه - ٦٩.
قوله تعالى: {وَ لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، أي إنهم مع كونهم عالمين بكونه شرا لهم مفسدا لآخرتهم غير عالمين بذلك حيث لم يعملوا بما علموا فإن العلم إذا لم يهد حامله إلى مستقيم الصراط كان ضلالا و جهلا لا علما، قال تعالى: {أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ} الجاثية - ٢٣.
فهؤلاء مع علمهم بالأمر ينبغي أن يتمنى المتمني لهم العلم و الهداية.
قوله تعالى: {وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا}، إلخ أي اتبعوا الإيمان و التقوى، بدل اتباع أساطير الشياطين، و الكفر بالسحر، و فيه دليل على أن الكفر بالسحر كفر في مرتبة العمل كترك الزكاة، لا كفر في مرتبة الاعتقاد، و لو كان السحر كفرا في الاعتقاد لقال تعالى: و لو أنهم آمنوا لمثوبة، إلخ، و اقتصر على الإيمان و لم يذكر التقوى فاليهود آمنوا و لكن لما لم يتقوا و لم يرعوا محارم الله، لم يعبأ بإيمانهم فكانوا كافرين.

