تفسير الميزان ج۱
228الخارج بحيث لا يقع فيه أدنى الشك و هو أن الإنسان بل كل موجود ذي شعور إذا خير بين الراحة و التعب اختار الراحة من غير تردد و تذبذب و إذا خير بين حياة و عيشة مكدرة مشوبة و أخرى خالصة صافية اختار الخالصة الهنيئة قطعا و لو فرض ابتلاؤه بما كان يميل عنه إلى غيره من حياة شقية ردية أو عيشة منغصة لم يزل يتمنى الأخرى الطيبة الهنيئة فلا ينفك عن التحسر له في قلبه و عن ذكره في لسانه و عن السعي إليه في عمله.
فلو كانوا صادقين في دعواهم أن السعادة الخالصة الأخروية لهم دون غيرهم من الناس وجب أن يتمنوه جنانا و لسانا و أركانا و لن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم من قتل الأنبياء و الكفر بموسى و نقض المواثيق و الله عليم بالظالمين.
قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} كناية عن العمل فإن معظم العمل عند الحس يقع بواسطة اليد فيقدم بعد ذلك إلى من ينتفع به أو يطلبه ففيه عنايتان نسبة التقديم إلى الأيدي دون أصحاب الأيدي و عد كل فعل عملا للأيدي.
و بالجملة أعمال الإنسان و خاصة ما يستمر صدوره منه أحسن دليل على ما طوى عليه ضميره و ارتكز في باطنه و الأعمال الطالحة و الأفعال الخبيثة لا يكشف إلا عن طوية خبيثة تأبى أن تميل إلى لقاء الله و الحلول في دار أوليائه.
قوله تعالى: {وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنَّاسِ عَلى حَيَاةٍ}، كالدليل المبين لقوله تعالى: {وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} أي و يشهد على أنهم لن يتمنوا الموت، إنهم أحرص الناس على هذه الحياة الدنيا التي لا حاجب و لا مانع عن تمني الدار الآخرة إلا الحرص عليها و الإخلاد إليها، و التنكير في قوله تعالى: {عَلى حَيَاةٍ} للتحقير كما قال تعالى: {وَ مَا هَذِهِ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت - ٦٤.
قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا} الظاهر أنه عطف على الناس و المعنى و لتجدنهم أحرص من الذين أشركوا.
قوله تعالى: {وَ مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ اَلْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}، الظاهر أن ما نافية و ضمير

