تفسير الميزان ج۱
218{وَ آتَيْنَا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنَاتِ وَ أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ أَ فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ٨٧ وَ قَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ ٨٨}
(بيان)
قوله تعالى: {وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، (الآية) في بديع نظمها تبتدئ أولا بالغيبة و تنتهي إلى الخطاب حيث تقول: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}، ثم إنها تذكر أولا الميثاق و هو أخذ للعهد، و لا يكون إلا بالقول، ثم تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدئ، فيه بالخبر، حيث تقول: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللَّهَ}، و تختتم بالإنشاء حيث تقول: {وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} إلخ. و لعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني إسرائيل لما بدئت بالخطاب لمكان اشتمالها على التقريع و التوبيخ و جرت عليه كان سياق الكلام فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها كما مر حتى انتهت إلى هذه (الآية)، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان بالقول و بني على حكايته حكي بالخطاب فقيل: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللَّهَ} إلخ، و هو نهي في صورة الخبر. و إنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به، كان الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه في الخارج، و لا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه، فلا يوقع الفعل قطعا و كذا قوله: {وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَ ذِي اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتَامى وَ اَلْمَسَاكِينِ}، كل ذلك أمر في صورة الخبر.
ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام، و هو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله: {وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وَ آتُوا اَلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} إلخ و انتظم بذلك السياق.

