تفسير الميزان ج۱
215فلقولنا: إنه موجود ثابت عالم قادر حي معان لا نفهمها و لا نعقلها، فاللازم إرجاع معانيها إلى النفي، فالمعنى مثلا أنه ليس بمعدوم، و لا زائل، و لا جاهل، و لا عاجز و لا ميت فاعتبروا يا أولي الأبصار فهذا بالاستلزام زعم منهم بأنهم يؤمنون بما لا يدرون، و يعبدون ما لا يفهمون، و يدعون إلى ما لا يعقلون، و لا يعقله أحد من الناس، و قد كفتهم الدعوة الدينية مئونة هذه الأباطيل بالحق فحكم على العامة أن يحفظوا حقيقة القول و لب الحقيقة بين التشبيه و التنزيه فيقولوا: إن الله سبحانه شيء لا كالأشياء و إن له علما لا كعلومنا، و قدرة لا كقدرتنا، و حياة لا كحياتنا، مريد لا بهمامة، متكلم لا بشق فم، و على الخاصة أن يتدبروا في آياته و يتفقهوا في دينه فقد قال الله سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ} الزمر - ٩، و الخاصة كما لا يساوون العامة في درجات المعرفة، كذلك لا يساوونهم في التكاليف المتوجهة إليهم، فهذا هو التعليم الديني النازل في حقهم لو أنهم كانوا يأخذون به.
قوله تعالى: {وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ اَلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}، الأمي من لا يقرأ و لا يكتب منسوب إلى الأم لأن عطوفة الأم و شفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها إلى المعلم و تسلمه إلى تربيته، فكان يكتفي بتربية الأم، و الأماني جمع أمنية، و هي الأكاذيب، فمحصل المعنى أنهم بين من يقرأ الكتاب و يكتبه فيحرفه و بين من لا يقرأ و لا يكتب و لا يعلم من الكتاب إلا أكاذيب المحرفين.
قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ}، الويل هو الهلكة و العذاب الشديد و الحزن و الخزي و الهوان و كل ما يحذره الإنسان أشد الحذر و الاشتراء هو الابتياع.
قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ} إلخ، الضمائر إما راجعة إلى بني إسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم و لكل وجه و على الأول يثبت الويل للأميين منهم أيضا.
قوله تعالى: {بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} إلخ، الخطيئة هي الحالة الحاصلة للنفس من كسب السيئة، و لذلك أتى بإحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب

