تفسير الميزان ج۱
214أحدهما: أنهم ينافقون فيتظاهرون بالإيمان صونا لأنفسهم من الإيذاء و الطعن و القتل.
و ثانيهما: أنهم يريدون تعمية الأمر و إبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم و علانيتهم و ذلك أن العامة منهم، و هم أولوا بساطة النفس ربما كانوا ينبسطون للمؤمنين، فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبي أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوة، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أولياؤهم ينهونهم معللا بأن ذلك مما فتح الله لهم، فلا ينبغي أن يفشي للمؤمنين، فيحاجوهم به عند ربهم كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم لم يطلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك و لازم ذلك أن الله تعالى إنما يعلم علانية الأمر، دون سره و باطنه و هذا من الجهل بمكان، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: {أَ وَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ} (الآية) فإن هذا النوع من العلم - و هو ما يتعلق بظاهر الأمر دون باطنه - إنما هو العلم المنتهي إلى الحس الذي يفتقر إلى بدن مادي مجهز بآلات مادية مقيد بقيود الزمان و المكان مولود لعلل أخرى مادية و ما هو كذلك مصنوع من العالم لا صانع العالم.
و هذا أيضا من شواهد ما قدمناه آنفا أن بني إسرائيل لإذعانهم بأصالة المادة كانوا يحكمون في الله سبحانه بما للمادة من الأحكام، فكانوا يظنونه موجودا فعالا في المادة، مستعليا قاهرا عليه، و لكن بعين ما تفعل علة مادية و تستعلي و تقهر على معلول مادي، و هذا أمر لا يختص به اليهود، بل هو شأن كل من يذعن بأصالة المادة من المليين و غيرهم، فلا يحكمون في ساحة قدسه سبحانه إلا بما يعقلون من أوصاف الماديات من الحياة و العلم و القدرة و الاختيار و الإرادة و القضاء و الحكم و تدبير الأمر و إبرام القضاء إلى غير ذلك، و هذا داء لا ينجع معه دواء، و ما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يعقلون، حتى آل الأمر إلى أن استهزأ بهم من لا مسكة له في دينهم الحق و لا قدم له في معارفهم الحقة، قائلا إن المسلمين يروون عن نبيهم أن الله خلق آدم على صورته و هم معاشر أمته يخلقون الله على صورة آدم، فهؤلاء يدور أمرهم بين أن يثبتوا لربهم جميع أحكام المادة، كما يفعله المشبهة من المسلمين أو من يتلو تلوهم و إن لم يعرف بالتشبيه، أو لا يفهموا شيئا من أوصاف جماله، فينفوا الجميع بإرجاعها إلى السلوب قائلا إن ما يبين أوصافه تعالى من الألفاظ إنما يقع عليه بالاشتراك اللفظي

