تفسير الميزان ج۱
203و قد بين شدة قسوة قلوبهم بقوله: {وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهَارُ}، و قوبل فيه بين الحجارة و الماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجر منها الأنهار على لين مائها و تشقق فيخرج منها الماء على لينه و صلابتها، و لا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحق، و لا قول حق يلائم الكمال الواقع.
قوله تعالى: {وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ}، و هبوط الحجارة ما نشاهد من انشقاق الصخور على قلل الجبال، و هبوط قطعات منها بواسطة الزلازل، و صيرورة الجمد الذي يتخللها في فصل الشتاء ماء في فصل الربيع إلى غير ذلك، و عد هذا الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعية هبوطا من خشية الله تعالى لأن جميع الأسباب منتهية إلى الله سبحانه فانفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاص بها انفعال عن أمر الله سبحانه إياها بالهبوط، و هي شاعرة لأمر ربها شعورا تكوينيا، كما قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} إسراء - ٤٤، و قال تعالى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} البقرة - ١١٦، و الانفعال الشعوري هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى، فالآية جارية مجرى قوله تعالى: {وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ اَلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} الرعد - ١٣: و قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصَالِ} الرعد - ١٥، حيث عد صوت الرعد تسبيحا بالحمد و عد الظلال ساجدة لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات التي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى.
و بالجملة فقوله: {وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ}، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة فإن الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيته، و قلوبهم لا تخشى الله تعالى و لا تهابه.
(بحث روائي)
في المحاسن: عن الصادق (علیه السلام): في قول الله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، أ قوة

