تفسير الميزان ج۱
202ولادتها {وَ لاَ بِكْرٌ} أي لم تلد {عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ}، و العوان من النساء و البهائم ما هو في منتصف السن أي واقعة في السن بين ما ذكر من الفارض و البكر، ثم ترحم عليهم ربهم فوعظهم أن لا يلحوا في السؤال، و لا يشددوا على أنفسهم و يقنعوا بما بين لهم فقال: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}، لكنهم لم يرتدعوا بذلك بل {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ} شديد الصفرة في صفاء {لَوْنُهَا تَسُرُّ اَلنَّاظِرِينَ} و تم بذلك وصف البقرة بيانا، و اتضح أنها ما هي و ما لونها و هم مع ذلك لم يرضوا به، و أعادوا كلامهم الأول، من غير تحجب و انقباض و {قَالُوا اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَ إِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}، فأجابهم ثانيا بتوضيح في ماهيتها و لونها و قال {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ} أي غير مذللة بالحرث و السقي {تُثِيرُ اَلْأَرْضَ} بالشيار {وَ لاَ تَسْقِي اَلْحَرْثَ} فلما تم عليهم البيان و لم يجدوا ما يسألونه {قَالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} قول من يعترف بالحقيقة بالإلزام و الحجة من غير أن يجد إلى الرد سبيلا، فيعترف بالحق اضطرارا، و يعتذر عن المبادرة إلى الإنكار بأن القول لم يكن مبينا من قبل، و لا بينا تاما. و الدليل على ذلك قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}
قوله تعالى: {وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيهَا}، شروع في أصل القصة و التدارؤ هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا - نفسا - و كل طائفة منهم يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها - و أراد الله سبحانه إظهار ما كتموه.
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}، أول الضميرين راجع إلى النفس باعتبار أنه قتيل، و ثانيهما إلى البقرة، و قد قيل: إن المراد بالقصة بيان أصل تشريع الحكم حتى ينطبق على الحكم المذكور في التوراة الذي نقلناه، و المراد بإحياء الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول، نظير ما ذكره تعالى بقوله: {وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} البقرة - ١٧٩، من دون أن يكون هناك إحياء بنحو الإعجاز هذا، و أنت خبير بأن سياق الكلام و خاصة قوله تعالى: {فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِ اَللَّهُ اَلْمَوْتى}، يأبى ذلك.
قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}القسوة في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر و كلمة أو بمعنى بل، و المراد بكونها بمعنى بل انطباق معناه على موردها،

