تفسير الميزان ج۱
189قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُمْ}البارئ من الأسماء الحسنى كما قال تعالى: {هُوَ اَللَّهُ اَلْخَالِقُ اَلْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى} الحشر - ٢٤، وقع في ثلاث مواضع من كلامه تعالى: اثنان منها في هذه الآية و لعله خص بالذكر هاهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد لأنه قريب المعنى من الخالق و الموجد، من برأ يبرأ براء إذا فصل لأنه يفصل الخلق من العدم أو الإنسان من الأرض، فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة و قتلكم أنفسكم و إن كان أشق ما يكون من الأوامر لكن الله الذي أمركم بهذا الفناء و الزوال بالقتل هو الذي برأكم فالذي أحب وجودكم و هو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم و كيف لا يحب خيركم و قد برأكم، فاختيار لفظ البارئ بإضافته إليهم في قوله: {إِلى بَارِئِكُمْ}، و قوله: {عِنْدَ بَارِئِكُمْ} للإشعار بالاختصاص لإثارة المحبة.
قوله تعالى: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} ظاهر الآية و ما تقدمها أن هذه الخطابات و ما وقع فيها من عد أنواع تعدياتهم و معاصيهم إنما نسبت إلى الكل مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض، و ينسب فعل بعضهم إلى آخرين. لمكان الوحدة الموجودة فيهم، فما كل بني إسرائيل عبدوا العجل، و لا كلهم قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم و على هذا فقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}، إنما يعني به قتل البعض و هم الذين عبدوا العجل كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ اَلْعِجْلَ}و قوله تعالى: {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} تتمة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر، و قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يدل على نزول التوبة و قبولها، و قد وردت الرواية أن التوبة نزلت و لما يقتل جميع المجرمين منهم.
و من هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم (علیه السلام) و ذبح إسماعيل {يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا} الصافات - ١٠٥، فقد ذكر موسى (علیه السلام): {فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}، و أمضى الله سبحانه قوله (علیه السلام) و جعل قتل البعض قتلا للكل و أنزل التوبة بقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}

