تفسير الميزان ج۱
173لدلالة قوله تعالى: {وَ لا يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف - ٨٦، على تملكهم للشفاعة لشهادتهم بالحق، فكل شهيد فهو شفيع يملك الشهادة غير أن هذه الشهادة كما مر في سورة الفاتحة و سيأتي في قوله تعالى: {وَ كَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى اَلنَّاسِ} البقرة - ١٤٣ شهادة الأعمال دون الشهادة بمعنى القتل في معركة القتال، و من هنا يظهر أن المؤمنين أيضا من الشفعاء فإن الله عز و جل أخبر بلحوقهم بالشهداء يوم القيامة، قال تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الحديد - ١٩، كما سيجيء بيانه.
٥ - بما ذا تتعلق الشفاعة؟
قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية تتعلق بكل سبب تكويني في عالم الأسباب و منها شفاعة تشريعية متعلقة بالثواب و العقاب فمنها ما يتعلق بعقاب كل ذنب، الشرك فما دونه كشفاعة التوبة و الإيمان قبل يوم القيامة و منها ما يتعلق بتبعات بعض الذنوب كبعض الأعمال الصالحة، و أما الشفاعة المتنازع فيها و هي شفاعة الأنبياء و غيرهم يوم القيامة لرفع العقاب ممن استحقه بالحساب، فقد عرفت في الأمر الثالث أن متعلقها أهل المعاصي الكبيرة ممن يدين دين الحق و قد ارتضى الله دينه.
٦ - متى تنفع الشفاعة؟
و نعني بها أيضا الشفاعة الرافعة للعقاب، و الذي يدل عليه قوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اَلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} المدثر - ٤٢، فالآيات كما مر دالة على توصيف من تناله الشفاعة و من يحرم منها غير أنها تدل على أن الشفاعة إنما تنفع في الفك عن هذه الرهانة و الإقامة و الخلود في سجن النار، و أما ما يتقدم عليه من أهوال يوم القيامة و عظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدل الآية على انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار.
و اعلم أنه يمكن أن يستفاد من هذه الآيات وقوع هذا التساؤل بعد استقرار

