تفسير الميزان ج۱
169تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران - ٧
٣ - فيمن تجري الشفاعة؟
قد عرفت أن تعيين المشفوع لهم يوم القيامة لا يلائم التربية الدينية كل الملاءمة إلا أن يعرفوا بما لا يخلو عن شوب إبهام و على ذلك جرى بيان القرآن، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ اَلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخَائِضِينَ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ حَتَّى أَتَانَا اَلْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ اَلشَّافِعِينَ} المدثر - ٤٨، بين سبحانه فيها أن كل نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا إلا أصحاب اليمين فقد فكوا من الرهن و أطلقوا و استقروا في الجنان، ثم ذكر أنهم غير محجوبين عن المجرمين الذين هم مرهونون بأعمالهم، مأخوذ عليهم في سقر، يتساءلون عنهم سلوكهم في النار، و هم يجيبون بالإشارة إلى عدة صفات ساقتهم إلى النار، فرع على هذه الصفات بأنه لم ينفعهم لذلك شفاعة الشافعين.
و مقتضى هذا البيان كون أصحاب اليمين غير متصفين بهذه الصفات التي يدل الكلام على كونها هي المانعة عن شمول الشفاعة، و إذا كانوا غير متصفين بهذه الصفات المانعة عن شمول الشفاعة و قد فك الله تعالى نفوسهم عن رهانة الذنوب و الآثام دون المجرمين المحرومين عن الشفاعة، المسلوكين في سقر، فهذا الفك و الإخراج إنما هو بالشفاعة فأصحاب اليمين هم المشفعون بالشفاعة، و في الآيات تعريف أصحاب اليمين بانتفاء الأوصاف المذكورة عنهم، بيان ذلك: أن الآيات واقعة في سورة المدثر و هي من السور النازلة بمكة في بدء البعثة كما ترشد إليه مضامين الآيات الواقعة فيها، و لم يشرع يومئذ الصلاة و الزكاة بالكيفية الموجودة اليوم، فالمراد بالصلاة في قوله لم نك من المصلين التوجه إلى الله تعالى بالخضوع العبودي، و بإطعام المسكين مطلق الإنفاق على المحتاج في سبيل الله، دون الصلاة و الزكاة المعهودتين في الشريعة الإسلامية و الخوض هو الغور في ملاهي الحياة و زخارف الدنيا الصارفة للإنسان عن الإقبال على

