تفسير الميزان ج۱
160إحداهما: أنه يبتدي منه التأثير، و ينتهي إليه السببية، فهو المالك للخلق و الإيجاد على الإطلاق، و جميع العلل و الأسباب أمور متخللة متوسطة بينه و بين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد و نعمته التي لا تحصى إلى خلقه و صنعه.
و الثانية: أنه تعالى تفضل علينا بالدنو في حين علوه فشرع الدين و وضع فيه أحكاما من أوامر و نواهي و غير ذلك و تبعات من الثواب و العقاب في الدار الآخرة و أرسل رسلا مبشرين و منذرين فبلغوه أحسن تبليغ و قامت بذلك الحجة و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته.
أما من الجهة الأولى: و هي النظر إليه من جهة التكوين فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب و العلل الوجودية المتوسطة واضح لا يخفى، فإنها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة و الخلق و الإحياء و الرزق و غير ذلك إيصال أنواع النعم و الفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه، و كلامه تعالى أيضا يحتمل ذلك كقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} البقرة - ٢٥٥، و قوله {إِنَّ رَبَّكُمُ اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} يونس - ٣، فإن الشفاعة في مورد التكوين ليست إلا توسط العلل و الأسباب بينه و بين مسبباتها في تدبير أمرها و تنظيم وجودها و بقائها فهذه شفاعة تكوينية.
و أما من الجهة الثانية و هي النظر إليه من جهة التشريع فالذي ينبغي أن يقال: أن مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصح صدقه في مورده و لا محذور في ذلك و عليه ينطبق قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً} طه - ١٠٩، و قوله: {لاَ تَنْفَعُ اَلشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} السبا - ٢٣، و قوله: {لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَرْضى} النجم - ٢٦ و قوله: {وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضى} الأنبياء - ٢٨، و قوله: {وَ لاَ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف - ٨٦، فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية لعدة من عباده من الملائكة و الناس من بعد الإذن و الارتضاء، فهو تمليك و لله الملك و له الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته و عفوه

