تفسير الميزان ج۱
157شائعة في أسلوب القرآن، حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى، ثم يثبته لنفسه، ثم يثبته لغيره بإذنه و مشيته، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها و استقلالها، و إنما تملكها بتمليك الله لها إياها، حتى أن القرآن تثبت نوعا من المشية في ما حكم فيه و قضى عليه بقضاء، حتم كقوله تعالى: {فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود - ١٠٨، فقد علق الخلود بالمشية و خاصة في خلود الجنة مع حكمه بأن العطاء غير مجذوذ، إشعارا بأن قضاءه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده و لا يبطل سلطانه و ملكه عز سلطانه كما يدل عليه قوله: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} هود - ١٠٧، و بالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده و يوجب له الفقر، و لا منع يضطره إلى حفظ ما منعه و إبطال سلطانه تعالى.
أبحاث الشفاعة
و من هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، و الآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة، و لغيره تعالى بإذنه و تمليكه، فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ما ذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة و متعلقها؟ و فيمن تجري؟ و ممن تصح؟ و متى تتحقق؟ و ما نسبتها إلى العفو و المغفرة منه تعالى؟ و نحو ذلك في أمور.
١ - ما هي الشفاعة؟
الشفاعة على ما نعرف من معناها إجمالا بالقريحة المكتسبة من الاجتماع و التعاون (و هي من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فيصير به زوجا بعد ما كان فردا فيقوى على نيل ما يريده، لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته و ضعفها و قصورها) من الأمور التي نستعملها لإنجاح المقاصد، و نستعين بها على حوائج الحياة، و جل الموارد التي نستعملها فيها إما مورد يقصد فيها جلب المنفعة و الخير، و إما مورد يطلب فيها دفع المضرة و الشر، لكن لا كل نفع و ضرر،

