تفسير الميزان ج۱
130و من هنا تحدس إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في اقترابها تعب الحياة الدنيا و شقاؤها، و هو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسيا لربه، غافلا عن مقامه، و أن آدم (علیه السلام) كأنه أراد أن يجمع بينها و بين الميثاق المأخوذ عليه، فلم يتمكن فنسي الميثاق و وقع في تعب الحياة الدنيا، ثم تدورك له ذلك بالتوبة.
قوله تعالى: {وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً}الرغد الهناء و طيب العيش و أرغد القوم مواشيهم تركوها ترعى كيف شاءت، و قوم رغد، و نساء رغد، أي ذوو عيش رغيد.
و قوله تعالى: {وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ}و كأن النهي إنما كان عن أكل الثمرة و إنما تعلق بالقرب من الشجرة إيذانا بشدة النهي و مبالغة في التأكيد و يشهد بذلك قوله تعالى {فَلَمَّا ذاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} الأعراف - ٢٢.
و قوله تعالى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} طه - ١٢١، فكانت المخالفة بالأكل فهو المنهي عنه بقوله: {وَ لاَ تَقْرَبَا}
قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ}، من الظلم لا من الظلمة على ما احتمله بعضهم و قد اعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا}.
إلا أنه تعالى بدل في سورة طه هذه الكلمة أعني قوله: {فَتَكُونَا مِنَ اَلظَّالِمِينَ} من قوله {فَتَشْقى} و الشقاء هو التعب ثم فسر التعب و فصله، فقال: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَ لاَ تَعْرى وَ أَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَ لاَ تَضْحى} الآيات.
و من هنا يظهر أن وبال هذا الظلم إنما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الدنيا من جوع و عطش و عراء و عناء و على هذا فالظلم منهما إنما هو ظلمهما لأنفسهما، لا بمعنى المعصية المصطلحة و الظلم على الله سبحانه. و من هنا يظهر أيضا أن هذا النهي أعني قوله: {وَ لاَ تَقْرَبَا}، إنما كان نهيا تنزيهيا إرشاديا يرشد به إلى ما فيه خير المكلف و صلاحه في مقام النصح لا نهيا مولويا.
فهما إنما ظلما أنفسهما في ترك الجنة على أن جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي

