تفسير الميزان ج۱
112إنما يريد الموت قبل الحياة و هو موت و ليس بإماتة و الحياة هي الحياة الدنيا، و في قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} حيث فصل بين الإحياء و الرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا.
قوله تعالى: {وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحول متكامل يسير في مسير وجوده المتبدل المتغير تدريجا و يقطعه مرحلة مرحلة، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدنيا ميتا ثم حيي بإحياء الله ثم يتحول بإماتة و إحياء و هكذا و قد قال سبحانه: {وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} السجدة - ٩، و قال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ اَلْخَالِقِينَ} المؤمنون - ١٤، و قال تعالى: {وَ قَالُوا أَ إِذا ضَلَلْنَا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} السجدة - ١١، و قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى} طه - ٥٥. و الآيات كما ترى (و سنزيدها توضيحا في محالها) تدل على أن الإنسان جزء من الأرض غير مفارقها و لا مباين معها، انفصل منها ثم شرع في التطور بأطواره حتى بلغ مرحلة أنشئ فيها خلقا آخر، فهو المتحول خلقا آخر و المتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثم يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه ثم يرجع إلى الله سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان.
ثم إن الإنسان صاغه التقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضية و السماوية من بسائط العناصر و قواها المنبجسة منها و مركباتها من حيوان و نبات و معدن و غير ذلك من ماء أو هواء و ما يشاكلها، و كل موجود من الموجودات الطبيعية كذلك، أي إنه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل و ينفعل و يستبقي به موهبة وجوده غير أن نطاق عمل الإنسان و مجال سعيه أوسع؛ كيف؟ و هذا الموجود الأعزل على أنه يخالط الموجودات الآخر الطبيعية بالقرب و البعد و الاجتماع و الافتراق بالتصرفات البسيطة لغاية مقاصده البسيطة في حياته، فهو من جهة تجهيزه بالإدراك و الفكر يختص بتصرفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتفصيل و التركيب و الإفساد و الإصلاح، فما من موجود إلا و هو في تصرف الإنسان، فزمانا يحاكي

