
حريم القدس
مقالة في السير و السلوك
وهي مقالة جاد بها يراع سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ دامت بركاته، في تقديمه للترجمة الفرنسيّة للكتاب الشـريف «لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب» تأليف سماحة العلّامة الطهراني قدّس الله سـرّه.
حريم القدس
92لذلك، وكما تقدّم، فمجرّد الاشتغال بدراسة العلوم الإلهيّة وصَرف الأوقات في تحقيقاتها وتدقيقاتها، لن يُداوي من النفس الحيرى والتائهة أيّ داءٍ، بل سيشعر الإنسان بعد مرور مدّةٍ مديدةٍ من عمره وصرفه للوقت في تلك الأمور الدينيّة، سيشعـر أنّ نفسه لا تزال تائهةً متحيرةً، خاويةً من المعارف الشهوديّة لعالم الخِلقة وأسرار الوجود في المبدأ والمعاد، وحينئذٍ سيبدأ بالتفكير في التعويض عمّا فات، والاستعداد للانطلاق في مسير التكامل فيما تبقى من أيام عمره القليلة.
لقد أدرك المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمداني بعد مرور مدّةٍ من الزمن التي صرف فيها عمره في التحقيق لمباني الدين المبين والاطلاع على الفقه والتفسير والحكمة والتاريخ، أنّ ما تعلّمه لا يكاد يُجديه، وأنّه لا بدّ أن يتّخذ لنفسه حركةً جديدةً ونظامًا مُغايرًا لما سبق، يعتمد به على إصلاح نفسه وتهذيب قلبه، وأن يبحث من أجل ذلك عن الأستاذ الكامل والسالك الواصل ليتمكّن من هداية نفسه الناقصة الحيرى إلى عالم الكمال والمعرفة.
وكذلك السيّد علي الشوشتري، فبعد أن صرف عمره في العمل على إعلاء مذهب التشيّع والتصدّي لشؤون الناس، شمله التوفيق الإلهيّ وسار بمساعدةٍ من أستاذه العارف إلى المنزل المقصود وشاهد وصال المعرفة.
وكذا أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، فبعد أن قضـى عمره في الانشغال بأمور الدنيا وتولّي المسؤوليّات الحكوميّة والمطالعة والبحث وتدريس العلوم الإلهيّة، تنبّه إلى أنّ منهجه وممشاه السابق لم يروِ وجدانه الظمآن ونفسه المتلهّفة إلى المعرفة وأنّه سيرحل الآن عن هذه الدار صفر اليدين، خاسرًا لرأسماله، بوجودٍ ناقصٍ غير مكتملٍ. لذا يُقال أنّه في أواخر عمره كان دائماً يعيش في حالٍ من الانزواء والابتهال والتضـرّع والتهجّد
