
حريم القدس
مقالة في السير و السلوك
وهي مقالة جاد بها يراع سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ دامت بركاته، في تقديمه للترجمة الفرنسيّة للكتاب الشـريف «لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب» تأليف سماحة العلّامة الطهراني قدّس الله سـرّه.
حريم القدس
47في وجوده أكثر، فإنّ ظهور وبروز هذه الأمور منه سيكون أقل؛ ذلك لأنّ غاية أهل المعرفة والتوحيد هي عرفان حضـرة الحق، وهذا الأمر المهم لن يحصل بهذه الأمور».
لذا فإنّ الأعاظم ولأجل سَوْق الناس نحو هذا الهدف العالي قلّما يُظهرون لهم هذه الأمور، حتّى لا تَأنس النفس ويَألف الذهن هذه المسائل، فتصبح أسيرةً لفخّ الحواسّ الباطنيّة والصور البرزخيّة.
سبب إبراز البعض للأمور الجاذبة للناس!
أمّا الذين بقوا عاجزين عن معرفة الحقّ وإدراك توحيد الخالق تعالى وكانت أرجلهم مشلولةً وأيديهم قاصرةً عن الوصول إلى تلك الذروة العليا، فإنّهم لن يجدوا مناصًا من إبراز مثل هذه الأمور لديهم؛ لكي يجلبوا انتباه العوام لناحيتهم. وهذا هو الفرق بين منهج العرفان وسائر المناهج الأخرى، حتّى مع كونهم جميعًا متّجهين نحو عوالم ما وراء المادّة والطبع.
محوريّة العقل والفطرة في العرفان الصحيح
إنّ الله المتعال من خلال إيداعه الصفات والغرائز القيّمة والمعنويّة في فطرة الإنسان، قد عبّد له طريقه نحو بلوغ الحقيقة وإتبّاع الحقّ، فيتّبع المنطق العقليّ في كلّ موطنٍ وحادثةٍ؛ فالتنقيب والبحث عن المعرفة والشعور بالانشداد نحو الكمال والعثور عليه والوصول إلى عالم القدس والسكينة والطمأنينة جُعل في جِبِّلَته وطبيعته؛ فليس هناك أيّ عاملٍ يقدر أن يمنع العقل والفطرة من الانتصار والفوز، سواءً الوساوس أو الوسائل المختلفة، بحيث يُمكنه أن يسدّ عليه مسيره نحو المعرفة والتكامل، ويحرمه من الفيوضات والألطاف الإلهيّة.
وإذا ما ابتليت النفس ـ بواسطة إلقاء الشبهات عليها ـ بالوسوسة وصار سيرها منحرفًا لبعض الوقت، فسيأتي اليوم الذي تستيقظ فيه من رقدتها وتفيق من غفلتها، وذلك بواسطة النغمة الملكوتيّة للوجدان والفطرة؛ ليزيح
