
حريم القدس
مقالة في السير و السلوك
وهي مقالة جاد بها يراع سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ دامت بركاته، في تقديمه للترجمة الفرنسيّة للكتاب الشـريف «لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب» تأليف سماحة العلّامة الطهراني قدّس الله سـرّه.
حريم القدس
45فمن باب المثال: إذا رَأى العوام فردًا يُمسك بأفعى بواسطة خُدعةٍ ما، فإنّك ترى الجميع يجتمعون حوله؛ ولكن إذا أراد هذا الشخص أن يُبيّن حقيقةً من حقائق عالم الوجود والتوحيد لمدّة عشر دقائق فقط، فإنّنا لن نرى إلّا عددًا ضئيلًا من الأفراد مهتمّين بذلك، وأمّا الباقون فسيتركونه ويتفرّقون من حوله.
هذا المثال من أصغر وأدنى النماذج من الأمور الخارقة للعادة، فكيف إذا وصل المقام إلى المسائل والحوادث الأرقى والأخّاذة التي تخطف القلوب، من الإخبار بالأمور الخافية والتصـرّف في الأمور المادّية وطيّ الأرض. إنّ كلّ هذه الأمور ترجع إلى الحواس البرزخيّة والمثاليّة للإنسان، والحقيقة أنّ البون بينها وبين العرفان والتوحيد وكشف الحُجب النفسانيّة ما بين الأرض والسماء!
ولذا نرى أنّ هؤلاء الزُمرة من الأفراد يتمتّعون بوجاهةٍ وقيمةٍ خاصّةٍ بين الناس، وترى أوساطهم مُحتضنةً لعوام الناس على اختلافهم أكثر ممّا هو لدى أهل التوحيد والمعرفة؛ سواءً عند العوام أم عند المتعلّمين، كما أنّ حضور خطاباتهم تحوز على جاذبيّةٍ أكبر عند العوام.
تحريف مصطلح العرفان في ثقافة الناس في هذا العصر
وللأسف فإنّ اصطلاح العرفان والمعرفة يطلق في ثقافة العوام في هذا الزمان على هذه الزُمرة من الأفراد، فيُقال إنّ المعرفة والوصول إلى كُنه عالم الوجود مُنحصرٌ بهؤلاء الأشخاص فقط؛ وإنّ العارف إذا ما أراد أنْ يترك له اسماً ورسماً، وأنْ يجعل فَهم الأشخاص يميل نحو حقيقة الوجود؛ فليس له إلّا إبراز بعضٍ من هذه الأمور.
