
حريم القدس
مقالة في السير و السلوك
وهي مقالة جاد بها يراع سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ دامت بركاته، في تقديمه للترجمة الفرنسيّة للكتاب الشـريف «لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب» تأليف سماحة العلّامة الطهراني قدّس الله سـرّه.
حريم القدس
40ومِن الضـروري أن لا تراعى الغرائز النفسيّة إلّا بالمقدار اللازم لتمضية وانقضاء الحياة الدنيويّة على أن يجعل ذلك أيضًا في إطار إكمال القوى العقليّة والروحيّة وحسب، ويجب أن يكون ذلك ضمن حدود الاعتدال وبنحوٍ منطقيٍّ وعقلانيٍّ، فالإفراط في هذا الجانب يُوجب قوّة هذه الغرائز وانفلات زمام الأمور عن السيطرة، وفي النتيجة ستتعطّل قوى الإنسان وغرائزه الروحيّة والفطريّة، ولا فرق في هذه المسألة بين العصور الماضية والعصر الحاضر؛ فإذا تهيّأت للإنسان الوسائل والأدوات التي تمكّنه من بلوغ أهدافه ومقاصده المشؤومة أيّاً كان الزمان والمكان، فسوف يُقدم عليها بمقدار ما لديه من شقاوةٍ وميلٍ نحو الانحراف، وبمستوى رسوخ الصفات الخبيثة في نفسه، وسوف لن يألوَ جهدًا في سبيل تحقيقها.
لذلك نرى أنّ التطوّر البشري في عصـر الصناعة والعلم، لم يقتصـر أثره على كونه لم يأخذ بيد الإنسان نحو المعنويّات واكتساب الفضائل وحسب، بل إنّه بالغ في تهيئة الأرضيّة المناسبة للفساد والانحراف؛ وما دام سيره على هذا المنوال فإنّه سيزداد أسرًا في هذه المهلكة يومًا بعد يومٍ.
إنّ سبب اللجوء إلى المعنويات والرغبة في المسائل الروحيّة والباطنيّة التي ظهرت في هذا العصر بين مختلف الشعوب، إنّما يرجع إلى حالة اليأس مِن المدرسة الماديّة وفشلها في تحصيل الطمأنينة الروحيّة وسكون الخاطر وراحة الضمير البشري، فيا له مِن فشلٍ ذريعٍ ويا له مِن يأسٍ رهيبٍ ومهولٍ!
