
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
59تمييز موارد الانحراف والاعوجاج في الفكر المادّي لأمثال هؤلاء الذي يظهر من خلال أحكامهم على الأحداث التاريخية و العقائدية وتقييمهم لها، فتتّضح لدينا نقاط ضعف بصيرتهم ومعرفتهم أمام الفكر الشيعيّ الناصع الواضح.
ما هو محور التشريع بين الفكر المادي والفكر الإلهيّ؟
إنّ الهدف الأسمى والمقصد الأعلى في الأديان الإلهيّة هو تكامل الإنسان وبلوغه إلى فعليّة ما لديه من استعداداتٍ وقابليّاتٍ أودعها الله في نفوس البشر، وإنّما أرسل هذا العدد الجمّ من الأنبياء بهدف إيصال الناس إلى هذه الفعليّات، فأقاموا تشريعات لإقامة العدل في المجتمع، ولتقوم الحياة الاجتماعيّة بالقسط وعلى النحو الأكمل، كما أنّهم جاؤوا بتشريعاتٍ أخرى من أجل إقامة علاقةٍ بين العباد وبين ربّهم وربطهم به، بحيث إنّ إهمال أيّ واحدٍ من هذين النوعين من التشريعات أو التسامح في الالتزام بها، سيؤدّي إلى بطلان تلك الغاية وانعدامها.
ومن البديهيّ أنّ العلاقة بين هذين النوعين من القوانين هي علاقة القشور باللبّ؛ فإنّ تقنين القوانين الاجتماعيّة، وإن كان من وجهة نظر المشرعين للقوانين الوضعيّة في المجتمعات إنّما يهدف لإيجاد التعايش الاجتماعيّ الآمن، وتأمين رفاهية أكبر، وعناءً أقلّ لأفراد المجتمع في هذه الحياة الدنيا، إلا أنّه من وجهة نظر المشرع الإلهيّ والداعي إلى الله والمربّي في مدرسة التوحيد إنّما يمثّل قنطرةً ومعبرًا إلى ترقّي الروح وتزكية النفس وتربيتها للوصول إلى مقام الفعليّة والتجرّد التام. فالقوانين البشريّة لا تهتمّ بالآخرة والحياة الأبديّة فيها، وإنّما ينحصر إبداعها بإيجاد الأرضيّة المناسبة لتحقيق حسن الجوار و التعايش بين أفراد المجتمع ورفع الموانع التي تواجه ذلك، وفي هذا المجال لا يؤخذ بعين الاعتبار إلا إعداد وسائل الوصول إلى مقاصد الناس في دائرة الحياة الدنيا، وكلّ ما سوى ذلك فهو خارج عن مسؤوليّة القانون والمقنّن؛ فمثلًا يعتبر القتل في القوانين الجزائيّة المعاصرة جرمًا ويحكم القاتل بالإعدام أو بعقاب آخر، إلا أنّ هذا القانون لم يتّخذ أيّ إجراء في حقّ من يشاهد حادثة القتل، لأنّ دائرة اهتمام هذا القانون تنحصر باعتداء شخصٍ على آخر، لا الإحساس الإنساني والرأفة البشريّة
