
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
56لقد طال بنا الكلام في توضيح سيرة أبي حنيفة، إلا أنّ أهميّة الموضوع والمطالب التي ترتبط بالرجل قد أجبرت الحقير أن يفصّل للقرّاء، ويسهب في بيان خصوصيّات حياة هذا الرجل ورذائله الأخلاقيّة ومفاسده العقائديّة، وذلك كي لا يقعوا في الحيرة أو التشويش أمام ما قيل أو كتب من مسائل خاطئة في حقّ هذا الشخص المنحرف الذي لا يعرف الله، وحتّى يكون حكمهم على مبانيه الفكريّة والعقائديّة من خلال ميزان العدل والمنطق، وليكونوا بمأمن من غلبة الأحاسيس وحاكميّة الخيالات والأوهام، وليميّزوا بين طريق الحقّ وبين المهالك، وليكتشفوا الانحراف الفكريّ الذي ظهر في هذه المدرسة القويمة ومنهج أهل البيت عليهم السلام، وليقوموا بتصحيح المباني العقائديّة ويعثروا على المحجّة البيضاء.
نعم، تلك هي سيرة وطريقة الأشخاص الذين يمتلكون ظاهرًا مزيّنًا خادعًا للعوام، مع باطنٍ شيطانيٍّ سبعيٍّ ملوّثٍ بالهوسِ والأغراضِ النفسيّة، و هو باطنٌ مخفي لا يطّلع أحد على حقيقة أمره إلى أن يسقط القناع عن وجوههم المظلمةِ المشؤومةِ وباطنِهم المدمّر، وذلك مع مرور الأيّام وتبدّل الأحوال والأحداث، فينكشف حينها كيف كانوا طيلة السنوات المتمادية يسوقون الناس نحو أهوائهم ورغباتهم ومشتهياتهم، ولكن مع شيء من التبرير والتظاهر بالإيمان والسير نحو المبادئ والمقاصد الإلهيّة.
إنّ الاكتفاء بظواهر الرجال بمثابة قاطع الطريق للقلب والدين و سبب للضلال عن المنهج القويم ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو الحدّ الفاصل بين المخالف والمؤالف.
وهنا تتّخذ المسألة لنفسها صورة أمر متشابَه وتوقِع في الاشتباه من لا اطّلاع له على تشخيص الملاكات، وربّما لا تتّضح لهم حقيقة الأمر إلا بعد السنوات الطوال، فيقضون عمرهم في الضلال والانحراف ولا يبلغون غايةً.
ويكمن سبب هذه الانحرافات -على ما يبدو- في اتّباع منهج التفكير الماديّ في النظر إلى القضايا والأحداث التاريخيّة، ذلك المنهج الذي غفل عن تمحور مباني حقائق الوحي حول أهل البيت عليهم السلام و أنّ المحور الذي ترتكز عليه مباني الدين وأصوله
