
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
209لدنيويّة، والمتاع الدنيوي الزائل، والتمتّع من جيفة الدنيا ومن الشهوات، ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾.۱
وقد تمّت الإشارة إلى هذه المسألة في الآية الشريفة التي تقول: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ، وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ، كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾.٢
فمن كان يرغب في الدنيا ويعمل لتحصيلها، فإنّنا نُحقّق له رغبته سريعًا عاجلًا، ولكن بشرط أن تتعلّق مشيئتنا وإرادتنا بإنجاز ذلك؛ فتحقيق هذه الرغبة غير خارج عن إرادتنا وقدرتنا ومشيئتنا، وليس كلّ من أراد شيئًا ورغب فيه، كان علينا تحقيقه من دون داعٍ ولا سبب. ولكن بعد ترك هذا الإنسان للدنيا وهجرته إلى عالم الآخرة، سنجعل جزاءه جهنّم ونيران الجحيم؛ لما كان عليه من استكبار وتمرّد، وسنطرده من رحمتنا ولطفنا ونُبعده عنهما، وأمّا الذي حصر سعيه واهتمامه بالدار الآخرة وتحصيل رضانا، وبذل جهده في هذا المجال، وكان مؤمنًا بالمباني والمعتقدات الدينيّة، فلن يذهب سعيه هباءً منثورًا، وسيكون موضعًا لتقديرنا وعنايتنا، فكلا الفريقين، سواءً الذين يعملون للدنيا وعبادتها، أو الذين ينظرون إليها كمعبر للآخرة وتحصيل رضا الله تعالى سيحصلون على عطائنا ونعمنا، وسيستفيدون من عوننا ومساعدتنا، ولن يُحرم أحدٌ من فيضنا وعطائنا.
وهذه الآية تُعلن بصراحة أنّ أجر كلّ إنسان وجزاءه على عمله هو نفس ذلك القصد والهدف الذي يبذل جهده وسعيه من أجله.
وعليه، فإنّ أجر وجزاء الهجرة إلى الله ورسوله -والذي يعني الخروج من العالم الحيواني ورفض جميع التعلّقات والإعراض عن كلّ الكثرات وطرح جميع التوهّمات والتخيّلات- سيكون لقاء الله تعالى بالنورانيّة والوفود إلى حريم القدس بصفة الجمال
- سورة البقرة (٢)، مقطع من الآية ۱۰٢.
- سورة الإسراء (۱۷)، الآيات ۱۸ إلى ٢۰.
