
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
205إنّ قبح الكذب وكدورته لا علاقة لهما بمستوى المخاطب واختلاف منزلته، بل يرتبطان بنفس الكذب، أي يرجعان إلى الحديث بما يُخالف الواقع. فهذه الكدورة وهذا القبح يتركان أثرًا بليغًا وعميقًا في نفس الكذّاب يُؤدّي إلى حجب نفسه وقلبه عن إدراك الحقائق، وسوق فهمه وإدراكه -عند مواجهته للأمور- نحو الباطل، والانعطاف بحكمه دائمًا نحو الخطأ؛ وهنا يكمن الخطر الكبير للكذب.
فإذا تمكّن شخص ما من الامتناع عن الكذب على الطفل والخادم، فإنّه يكون قد أتى بما يستحقّ المدح، وأمّا إذا كان لا يقوم بذلك إلّا مع الإمام عليه السلام لأنّه في الكذب على إمام الزمان عليه السلام سينكشف أمره ويصير موضعًا لحديث الخاصّ والعامّ، وتسقط منزلته ومكانته، فلن يكون قد أتى بعمل مهمّ يستحقّ المدح، ولم يقم بسابقة حسنة؛ لأنّ الامتناع عن الكذب في مثل هذا المورد كان لأجل مصلحة نفسانيّة، وليس بسبب انطباق النفس على حاقّ الواقع ونفس الأمر. وفي هذه الحالة، سيرجع ذلك الشخص لممارسة الكذب عند ارتفاع المحذور، ولن يستنكف عن النطق بالخلاف. وأمّا إذا كان الامتناع عن الكذب لأجل انطباق النفس على متن الواقع وتشكّلها به، فإنّ تأثير هذا الامتناع سيكون عبارة عن تحوّل النفس وتبدّلها واستعدادها لاكتساب نور الله تعالى وفيضه ورحمته. إنّ أبواب قلب الكذّاب وضميرِه قد أغلقت بشكل كامل، وتبدّلت ملامح وجهه وعيونه، وصارت أحواله شيطانيّة، مع أنّه قد يكون متلبّسًا في الظاهر بزيّ أهل الصلاح، ويُشارك في المجالس ويحضر التكايا، ويعمد إلى إقامة مجالس التبليغ والذكر.
وعليه، إذا جاء يومٌ وصارت الأهمّية التي يوليها الإنسان للمواظبة على الصدق أمام طفلٍ صغيرٍ تُعادل في الدرجة والمقدار تلك الأهمّية التي يُوليها لمراعاة الصدق واجتناب الكذب أمام الإمام عليه السلام، فإنّه بإمكاننا حينئذٍ أن نحتمل وجود شعاعٍ وبارقة أمل في ذلك الإنسان للسير والحركة نحو أفق المعرفة.
