
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
188تمكّنتْ من تغيير رؤيتي كلّيًا وتبديل تصوّري عن أحوال الدهر وأبنائه، وإبراز حقيقة هذه الدنيا الدنيّة وبواطن الكثرات والعلاقات والاجتماعات والصداقات، وإظهار حقيقة أولئك الجهّال الذين يظهرون بمظهر الأصدقاء، وحقيقة نظرة الأشخاص الذين يُحيطون بي.
لقد كان السبب في كل تلك العلاقات والمودّة واللطف والابتسامات التي رآها الحقير في زمان المرحوم الوالد هو الانتساب إليه، وكنّا نخال أنّ هذا النوع من التعاطي كان متوجّهًا إلينا بالخصوص، فكنا نأنس لهذا اللطف وتلك المحبّة، معتقدين أنّها ستستمرّ بعد وفاته وارتحاله، وأنّنا سنبقى أسرى لطف هؤلاء المحبين ومودّتهم على الدوام.
ولكن وفاة ذلك العظيم قلبت جميع هذه الحسابات، فأظهر الناس بواطنَهم، ورفع الستار عن قلوبهم وضمائرهم المنافقة، وصارت سيرتهم الخفّية واضحةً للعيان كوضوح وجوههم الكريهة المشوّهة، فانكشفت تلك الأحقاد البدريّة والحُنينيّة المخزونة في بواطنهم. وبما أنّهم وجدوا الميدان خاليًا من أيّ حارس أو محافظ كالمرحوم الوالد، فقد عمدوا إلى بذل كلّ جهودهم في المكر والاحتيال والخداع، لجَعْل بقيّة الناس تحت سيطرة أنفاسهم المسمومة ونفوسهم المشؤومة. فلم يعد هناك أيّ أثر لأبّهة ذلك العارف الشهير وهيمنته، وصارت الآفاق التي يُحلّق فيها طائر السيمرغ مسرحًا لضعاف العقول والفاسدين والمفسدين، وأصبح الذين كان هذا الحقير واسطةً لإيصال هداياهم وتحفهم إلى المرحوم الوالد في زمان حياته هم الذين يثيرون هذه البلابل والقلاقل ويُحرّكونها.
إنّ السفينة التي كانت تخوض -بركّابها وربّانها- عباب البحر والمحيط بهداية ذلك الوليّ الإلهيّ وإرشاده في كلّ تناغم وانسجام، قد أُصيبت بعواصف الفتن المخيفة وأمواج الغواية الهدّامة، فتعرّضت لدمار كبير، وصارت قطعًا بعدما اصطدمت بالصخور والأمواج العاتية، فلا أثر بعدُ لتلك الصلابة والاستقامة والاستواء.
