
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
171في داخله- بطريقةٍ مختلفة، فلا وجود لتلك الاستقامة والصمود والثبات في الأفكار والمباني والاعتقادات، ولا مكان في نفسه لتلك الغيرة والحميّة الدينيّة، فقد تمّ استبدال تلك الصلابة والثبات بنوع من الليونة والخضوع والغفلة والإهمال والتساهل؛ فيصير هذا الإنسان محكومًا بالاستدراج بمقتضى هذه الآية الشريفة: ﴿فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.۱
و الأمر الملفت هو أنّ لهذا الأمر أثرًا بالغًا حتّى في المسائل الفقهيّة واجتهادات الفقيه واستنباطاته الشرعيّة، وبعبارة أخرى: إنّ تلك الحالة من الشعور بالارتباط بمبدأ الوحي والتعلّق بمنبع التنزيل، تتشكّل على أساسها مُدركات الفقيه في المسائل المختلفة، أما في الأجواء الخالية من المعنويّة والروحانيّة وبسبب حالة الانسلاخ والانقطاع عن مبدأ التشريع ذاك، فإنّ المدركات ستتشكّل بصورة مادّية ظاهريّة لا روح فيها.
فما أكثر الأشخاص الذين كانوا قبل إقامتهم وتوطّنهم في بلاد الكفر من ذوي العقائد والأفكار الصحيحة والصالحة إلى حدٍّ ما، لكنْ ما إن أقاموا وتوطّنوا في هذه البلاد حتّى طرأت تغييرات كبيرة على أفكارهم وعقائدهم.٢
ومن عجائب الدهر أنّ بعض هؤلاء السادة أطلق على بلاد الكفر كإنجلترا اسم أمّ العالم الإسلامي! فيا للعجب كم يحتاج الإنسان أن يبلغ به الانحطاط الفكري والاعتقادي، حتّى يمكنه أن يتفوّه بمثل هذه الأباطيل ويكتبها! أفهل يجتمع الإسلام مع الكفر؟! وهل للاستعمار المكّار المحتال رغبة بالإيمان بالمبدأ والمعاد وانسجام مع الاعتقاد بهما؟! إنّ هؤلاء لا يعلمون -ولن يعلموا- أنّ هذه الأرضيّة والمجالات التي يفتحها الاستعمار البريطاني القديم أمام نشر المذاهب المختلفة -ومن جملتها
- سورة القلم (٦۸)، الآيتان ٤٤ و ٤٥.
- سيأتي الحديث عن هذا الموضوع بشكل مفصّل في الأجزاء اللاحقة إن شاء الله.
