
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
169إنّ التعلّقات والتمايلات النفسية التي يعيشها هذا الإنسان هي إحدى العلل المُعِدّة التي تُساهم في كيفيّة تكوّن أفكار الإنسان وآرائه، وكذلك الأجواءُ والأحداث والوقائع التي تُحيط به، وإنّ تأثير هذه الارتباطات والظروف في تكوين فكر الإنسان وحكمه على الأمور هو بنحوٍ قد يغفل معه الإنسان نفسه عن كيفيّة هذا التأثير و لا ينتبه إليه أبدًا؛ أي أنّ النفس الإنسانيّة وبسبب محبّتها لشخص من الأشخاص وميلها إليه تبدأ -شيئًا فشيئًا ومن حيث لا تشعر، وبالموازاة مع الازدياد التدريجي للمحبّة- في التغيير والتحوّل على مستوى أفكارها، وتتبدّل نظرتها لذلك الشخص وآرائه وعقائده والوقائع والأحداث المرتبطة به، وحتّى لمبانيه وموازينه الشرعيّة والاعتقاديّة .. وهنا مكمن الخطر!
وقد كشف لنا الحقّ تعالى عن هذه الحقيقة في قصّة نبيّ الله موسى والخضر حيث قال عزّ و جلّ: ﴿فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾۱. ﴿وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً ، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً﴾٢.
فقد سار النبيّ موسى برفقة الخضر إلى أن وجدا غلامًا يافعًا، فأمسك الخضر فجأةً بذلك الغلام وقتله وتركه ملقى على الأرض، فلم يحتمل نبيّ الله موسى هذا الموقف وصاح قائلًا: ما الذي تفعله؟ لماذا سلبت الحياة من طفلٍ بريء لم يرتكب أيّ ذنب أو جرم؟ لقد ارتكبت عملًا قبيحًا جدًّا!
وفي مقام بيان تفسير فعله وبيان سببه قال الخضر: اعلم أنّ قتلي لهذا الغلام لم يكن عن لغو وعبث؛ فلو كبُر هذا الغلام وبلغ سنّ الرشد والتكامل، فإنّه سينحرف بأبويه المؤمنَين الموحّدين عن الطريق، وسيجرّهما نحو الكفر والطغيان، أي إنّه بسبب ميول
- سورة الكهف (۱۸)، الآية ۷٤.
- سورة الكهف (۱۸)، الآيتان ۸۰ و ۸۱.
