
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
108المقدّمة الأولى: إنّ الإنسان كما له بدن مادّيّ وجسد يتحرّك بواسطته، وقلب يجري الدم بواسطته في جميع أعضاء الإنسان وشرايينه، فيرى بذلك البدن ويسمع ويحرّك يده، وتشتغل بواسطته أعضاء الإنسان وجوارحه وتقوم بوظائفها الطبيعيّة؛ فإنّ للإنسان -كذلك- معنى وخاصّيّة إن كانت حيّة جعلت إدراكه ومعارفه حيّة، أمّا لو لم تكن تلك الخاصّيّة حيّة، صار الإنسان جمادًا. وتلك الخاصّيّة هي روح الإنسان التي إن قُوِّيت بالأغذية المعنويّة من العلم والمعرفة والعبادة والتوجّه والتدبّر والتفكّر، حاز الإنسان درجة اليقين ومرتبة الإيمان وانكشفت له الحقائق، واطّلع على أسرار العالم، وصارت يده يد الله، وسمعه سمع الله، وعينه عين الله عزّ وجلّ.
و في الرواية: «اتَّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ».
إنّ المؤمن يرى بنور الله، ويسمع بنور الله، ويتاجر بيد الله، لأنّه أعطى كلّ ما لديه في سبيل الله تعالى، وخرج من حدود الجهات وتخطّى عالم الشهوة، فصار يعلم ويرى بعلم الله سبحانه. وهذه الحال هي التجرّد الذي يحصل للإنسان بواسطة التأمّل والتفكّر والعبادة.
فإذًا، كما أنّ للإنسان بدنًا مادّيًّا وقلبًا صنوبريًّا مادّيًّا، بحيث إذا توقّف قلبه عن العمل، مات بدنه وتعفّن؛ فإنّ له -من جهة أخرى- قلبًا معنويًّا وعلمًا مخزونًا إذا نوّره الله بنوره، انبعثت الحياة في روحه، وإن لم ينوّره، صار ميّتًا مهما كان بدن الإنسان حيًّا يقوم بحركاته ونشاطاته الطبيعيّة؛ لذا جاء في الآية القرآنيّة الكريمة: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾۱. ففاقدو الإيمان والذين لا يمتلكون معرفة بالإيمان والتوحيد هم أموات غير أحياء؛ لأنّهم لا يدركون.
أو كما جاء: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾٢. أي إنّ الشخصيّة الإنسانيّة
- صدر الآية ٢۱، من السورة ۱٦: النحل.
- الآية ۱۷۱، من السورة ٢: البقرة.
