
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
104قال ذلك الرجل المحترم: إنّ العلّة التي يذكرها الجميع في تفسير هذه العبارة، هي أهميّة ذلك اليوم والخطر الجادّ الذي كان يهدّد الإسلام فيه، ولو لم تكن ضربة أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك اليوم لما بقي للإسلام والمسلمين من أثر، وبعبارة أخرى: كانت الحرب حربًا مصيريّة، فجميع عبادات الإنس والجنّ حتّى يوم القيامة مدينةٌ لتلك الضربة في ذلك اليوم.
وبالطبع، فإنّه لا إشكال في هذا التوجيه ولا يرِد عليه إيراد، وقد كانت حقيقة الأمر كذلك؛ فقد كان عمرو بن عبد ودّ يعادل في نظرهم ألف مقاتل، وفي الحروب والمعارك التي كانت تنشب بين قبائل العرب، كان القادة يعيّنون أوّلًا ألف مقاتل في مقابل عمرو، ثمّ ينظرون إلى سائر مقاتلي العدوّ من ناحية العدد والعُدّة، ومع أنّه لم يكن في مكّة ولم يكن على ارتباط بقريش ومشركي مكّة، إلّا أنّهم طلبوا منه المشاركة في هذه الحرب المصيريّة، لحَسم أمر رسول الله والإسلام، ولهذا يقال لهذه المعركة معركة الأحزاب أيضًا.
أطرق المرحوم الوالد -قدّس سرّه- برأسه مدّة يسيرة، ثمّ قال:
المسألة أرفع من ذلك، وهي أرفع بكثير أيضًا، لقد كان أمير المؤمنين في ذلك اليوم بل في كلّ أيّام حياته، في حالة اتّصال دائم بمبدأ الوجود وفي حالة ارتباط محْض بالله تعالى وفناء فيه، بحيث كان كلّ عمل أو تصرّف يصدر عنه يمثّل عين حقيقة الفناء بالحقّ والتعلّق والربط به، ولم يبقَ له شيء من نفسه بحيث يكون لرغبته وإرادته الخاصّة أثر في ذلك العمل ولو مثقال ذرّة واحدة، وكان لديه سواءٌ أن يهويَ سيفُ عمرو بن عبد ودّ على رأسه هو أو أن يهويَ سيفُه على عمرو بن عبد ودّ، ولم يكن يرى من تفاوت بين أن تكون نتيجة الحرب في ذلك اليوم لصالح الإسلام أو تكون انمحاء الإسلام والمسلمين، وهنا موضع الدقّة والتأمّل!
كان يرى كلّ شيء بإرادة الله وفي يده وولايته، وحينئذ أيّ أثر سيتركه عليه
