
أسرار الملكوت ج3
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۳
125نلمس تلك الحقيقة ونتحسّسها ونراها بأعيننا. وفي هذه المادّة وهذا الجنس، يمكن أن يكون لجميع الأفراد نوٌع واحدٌ من الظهور والتحقّق الخارجيّ، وإن كانوا هم أنفسهم على مراتب متفاوته ومتضادّة مع بعضها البعض.
إنّ صلاتَي أبي بكر وعمر لهما نفس عدد ركعات صلاة سلمان والمقداد، وأجزاء الصلاة متساوية ومتشابهة في كلا الصلاتين. وصومهما أيضًا من ناحية اجتناب المفطرات ومراعاة الشروط واحد، وهكذا هو الحال في الحجّ والزكاة والإنفاق والجهاد وغير ذلك من التكاليف.
وأمّا ما يشكّل حقيقة التكليف وفعل الإنسان، وبعبارة أخرى: ما يشكّل صورته وحقيقته النوعيّة فهو جهته الملكوتيّة والروحانيّة أو الظلمانيّة والشيطانيّة، كما ورد في الآية الشريفة: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾۱.
فلحوم هذه الأضاحي ودماؤها لن تكون من نصيب الله، ولكنّ ما يصعد إليه هو خلوص النيّة وصفاء الباطن وجهة العبوديّة، فهي التي تستقبلها عوالم الغيب وتقوم بإمضائها.
ولذلك فكما أنّ حقائق الأشياء الخارجيّة إنّما تتقوّم بصورها وحقائقها النوعيّة لا بموادّها وجهاتها الجنسيّة، فكذلك حقائق أفعال الإنسان وأقواله ترجع إلى حقائقها الباطنيّة وصورها النوعيّة لا إلى ظواهرها وحقائقها المتجسّدة في الخارج المحسوس، وإن كان ظهورها متشابهٌ بين مختلف الأفراد.
ففي ليلة عاشوراء، كانت صلاة عمر بن سعد وقراءته عين صلاة سيّد الشهداء عليه السلام وقراءته، ولكن أين هذه من تلك؟!
وفي حرب صفّين، كان كلا الطرفين المتخاصمين مدّعيًا إحقاق الحقّ والتقرّب إلى الله والقيام بالعدل، ولكن أين ادّعاء معاوية الفارغ التافه والشيطانيّ من ادّعاء عليّ المحقّ؟!
- سورة الحجّ (٢٢)، صدر الآية ٣۷.
