
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
79نعم، يرِد أصحاب هذا القسم إلى الله تعالى بعيدًا عن مقام الحساب ووزن الأعمال، وبما أنّ عملهم لم يصدر منهم ابتغاءً لأجرٍ أو ثوابٍ، فلن يستطيع الملائكة أن يقدّموا أيّ تقييم له أو أن يزنوه بميزان الحساب، كما لا يمكن لأيّ نعمةٍ أن تكافئهم وتجازيهم على أعمالهم تلك؛ لأنّهم كانوا أعلى شأناً من الثواب والأجر ولم يكونوا يحسبون أيّ حسابٍ لهذا الموضوع أبدًا، بل لم يكن عملهم صادرًا إلّا مِن أجل رضا الحقّ، دون الالتفات إلى أيّ أمرٍ آخر وراء ذلك، فنفس هؤلاء قد تجاوزت مقام الرغبة والإرادة والتمنّي، ولم يعد هدفهم هو الجنّة ونعيمها كي يجازيهم الله تعالى على أعمالهم الصالحة بذلك. هؤلاء هم المقرّبون؛ يعني الأفراد الذين صارت وجهتهم أعلى من الجنّة ومن نِعَم الجنّة وأعلى من خصوصيّات الجنان، وصاروا أرفع من مقام العرض والمحاسبة وتقييم الأعمال.
و يستفاد من مضمون هذه الآية أنّ الأولياء الإلهيّين هم أشخاصٌ قد تخطّت أفعالهم وأعمالهم مرحلة النفس ومرتبتها وصارت متّحدةً مع حقيقة التوحيد؛ وذلك لأنّ هؤلاء لم تعد أنفسهم مبتلاةً بآمال النفس ومتعلّقاتها وتمنّياتها وشوائبها كما يبتلى به غيرهم من الناس، وإن كانوا مؤمنين وصالحين. وبناءً على ذلك، فعمل هؤلاء هو عملُ الحقّ وتصرّفهم هو فِعل الحقّ، لأنّهم من خلال هذه النعمة الإلهيّة العظمى قد اندكّوا واقعًا وفنوا في وجود الحقّ، فالعمل الصادر عنهم -وتبعًا لفناء أنفسهم في وجود الحقّ- هو عملٌ منبعثٌ عن فعل حضرة الحقّ وإرادته تعالى.
والإنصاف أنّه يجب أن تُعتبر هذه الآية الشريفة من البراهين المبيّنة لنفس وليّ الله والمثبتة لذات العارف بالله، فهكذا يجب أن يكون وليّ الله لكي يتّخذه الإنسان أسوةً له في القول والعمل، وقدوةً يقتدي به، وشاخصًا للحقّ، ومميّزًا بين الحقّ والباطل؛ وذلك لأنّ الطاعة والانقياد وإن كان ينبغي أن تتحقّق على أساس إدراك الإنسان للهدف المقصود وميله نحوه ورغبته في الوصول إليه و فهمه لحقيقته، وهو أمرٌ يختلف من شخصٍ لآخر بحسب اختلاف مقدار معرفته ومستوى إدراكه، ومع
