
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
75الدليل الثالث: المقربون شاخصُ الحقّ والأسوة لمن دونهم
ومن جملة الآيات التي تبيّن موقعيّة الكُمّل من الناس والأشخاص البارزين والمتميّزين عن سائر الناس؛ الآيات الواردة في سورة الواقعة:
﴿فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (إلى ساحة الأحدية) ، فَرَوْحٌ (أي حياة فرح و سرور لا نهاية لها) وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (وهم الذين يعطون كتاب حسابهم بيمينهم) ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (والمستكبرين) ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ، وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾۱.
وتوضيح ذلك: أنّ أفراد بني آدم ينقسمون باعتبار تصرّفاتهم وكيّفيّة أعمالهم وميزان تسليمهم وانقيادهم للحق إلى ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأوّل: الأشخاص الذين لم يُؤثّر فيهم كلام الأولياء الإلهيّين وإنذار الأنبياء العظام، ولم يستجيبوا لنداء الفطرة والوجدان في اتّباع البراهين العقليّة والأدلّة النقليّة، بل استكبروا عليها وواجهوها بالعناد، وأعْمَت زخارفُ الدنيا وجاذباتُ عالم الغرور عيونَهم وأسماعهم، وصدّتهم عن التوجّه إلى التكامل والعبور عن وادي الشهوات ورفض عالم التعلّقات والكثرات، وهكذا قضوا أيّامهم في أنواع التعدّيات والظلم، والانغماس في الشهوات، وأمضوا حياتهم في نيل المطامع الدنيويّة واللذّات الطبيعيّة الزائلة، معتقدين أنّ سعادتهم هي سعادة عالم الحسّ والطبع، وأنّ اللذّات منحصرةٌ في الاستمتاع الدنيوي و إرخاء العنان للهوى الحيوانيّ البهيميّ، ويتصوّرون أنّ الكمال هو في زيادة الطلب والإكثار من زخارف الدنيا، وكلّما وعظهم رُسُل الله وحذّرهم أنبياؤه وأولياؤه من سوء أعمالهم، ردّوا عليهم بالاستهزاء والسخرية، وزعموا أنّ هذه المسائل الواقعية والحقّائق التي دعاهم أنبياء الله إليها ليست إلّا أوهامًا وتخيّلاتٍ، وأنّها تليق بتفكير العوام البعيدين عن مجريات الثقافة والحضارة،
- سورة الواقعة (٥٦)، الآيات: ۸۸ إلى ٩٤.
